آخر تحديث :السبت-26 سبتمبر 2026-12:58ص

سبتمبريون على العهد باقون

الجمعة - 25 سبتمبر 2026 - الساعة 10:48 م
أياد محسن الحوشبي


لم تكن أعياد الثورة اليمنية سبتمبر وأكتوبر ونوفمبر مجرد تواريخ عابرة في الذاكرة الوطنية ولم تكن مرتبطة في جوهرها بالجدل السياسي الراهن حول الوحدة أو الانفصال بل جاءت استجابة لإرادة شعبية واسعة في الشمال والجنوب حملت أهدافاً واضحة في التحرر من الإمامة والاستعمار وبناء واقع جديد يليق باليمنيين.


ففي الشمال جاءت ثورة السادس والعشرين من سبتمبر لتسقط النظام الإمامي وتفتح الباب أمام قيام الجمهورية وفي الجنوب انطلقت ثورة الرابع عشر من أكتوبر ضد الاستعمار البريطاني حتى تحقق الاستقلال في الثلاثين من نوفمبر.


ولهذا فإن الاحتفال بهذه المناسبات لا ينبغي أن يخضع لخلافاتنا الراهنة ولا أن يتحول إلى ساحة لإسقاط صراعات اليوم على تضحيات الأمس. فسبتمبر وأكتوبر ونوفمبر محطات تاريخية صنعها اليمنيون بدمائهم ونضالهم وكل واحدة منها تمثل صفحة من صفحات الكرامة الوطنية.


وإذا كان البعض ينظر إلى ثورة سبتمبر من زاوية ما آلت إليه الأوضاع اليوم بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء، فإن اختزال الثورة في واقعنا الراهن قراءة قاصرة للتاريخ.


فالثورة لا تفقد قيمتها لأن مشروعها تعرض لانتكاسة كما أن تضحيات الآباء والأجداد لا تسقط لأن الأحفاد ما زالوا يخوضون معركة جديدة لاستعادة ما فُقد.


لقد قاتل آباؤنا وأجدادنا فوق جبال اليمن وفي المحابشة وعبس وغيرها وقدموا التضحيات دفاعاً عن الجمهورية ومواجهة عودة الإمامة. وكانوا يدركون أن الحرية لا تُمنح وأن الجمهورية لا تحمي نفسها وأن الأوطان لا تُصان إلا بتضحيات أبنائها.


ومن هنا فإننا حين نحتفل بسبتمبر لا نزعم أن كل أهداف الثورة تحققت إلى الأبد وإنما نحتفل بمن صنعوا ذلك الانتصار في زمانهم وبمن روت دماؤهم أرض اليمن وفتحت أمام أجيالهم أبواب الحرية والأمل.


وإذا لم نحتفل بعد بالنصر الذي ننتظره اليوم فمن حقنا أن نحتفل بالنصر الذي صنعه آباؤنا بالأمس. ومن حقنا أن نرفع رؤوسنا فخراً بمن واجهوا الإمامة كما يحق لأبناء الجنوب أن يفتخروا بمن قاوموا الاستعمار في أكتوبر حتى تحقق الاستقلال في نوفمبر.


هذه الثورات ليست متنافسة ولا ينبغي أن تكون كذلك إنها إرث وطني يجب أن يبقى أكبر من خلافات الحاضر لأن من ضحوا فيها لم يكونوا يفكرون في خصوماتنا اليوم بل كانوا يناضلون من أجل ما اعتقدوا أنه مستقبل أفضل لأبنائهم ووطنهم.


قد نختلف في السياسة وقد تختلف رؤيتنا لمستقبل اليمن لكن ذلك لا يمنح أحداً الحق في التقليل من تضحيات جيل كامل صنع محطات تاريخية لا يمكن محوها.


إن الوفاء الحقيقي للثورة ليس فقط في رفع الأعلام أو ترديد الشعارات، بل في الحفاظ على معانيها وفي تذكير الأجيال بأن وراء كل جمهورية وحرية واستقلال رجالاً دفعوا أثماناً غالية حتى يصل الوطن إلى تلك اللحظة.


ونحن الأحفاد حين نحتفل اليوم، فإنما نحتفل وفاءً للآباء والأجداد، واعتزازاً بنضالهم، وتمسكاً بحقنا في أن نرى وطناً حراً مستقراً، وأن نحمل ما بدأوه جيلاً بعد جيل.


رحم الله شهداء سبتمبر وأكتوبر، وكل شهداء اليمن الذين ضحوا من أجل وطنهم.


وسيبقى الوفاء لتضحيات الآباء والأجداد واجباً لا يسقط مهما تبدلت الظروف.