آخر تحديث :الخميس-08 أكتوبر 2026-01:42ص

السادس والعشرون من سبتمبر.. حين اختُزلت الثورة في ستة أهداف

الجمعة - 25 سبتمبر 2026 - الساعة 08:57 م
د. سلطان مشعل


ليست عظمة السادس والعشرين من سبتمبر في كونها حدثًا سياسيًا غيّر شكل السلطة في اليمن فحسب بل في ذلك النص القصير الذي حملته الثورة معها واختُزل في ستة أهداف بدت في بساطتها أكبر من زمنها وأوسع من حدودها.


فالثورات عادةً ما تُقاس بما تُسقطه من أنظمة وما تقيمه من بدائل.

أما ثورة السادس والعشرين من سبتمبر فإن أهم دلالاتها يكمن في الأهداف التي أعلنتها.

أهدافٌ دارت حول الإنسان، وحريته وكرامته ومساواته وحقه في الحياة والفكر وبناء دولة تقوم على العدالة والنظام.


ولعل المفارقة اللافتة أن هذه الأهداف الستة لم تكن بحاجة إلى أن تكون أكثر عددًا كي تكون أكثر ثورية فقد احتشد في القليل منها ما يكفي من المعاني لإحداث تحول عميق في مجتمع أنهكته قرون من العزلة والاستبداد والتفاوت والتمييز.


فحين دعت الثورة إلى التحرر من الاستبداد وإقامة حكم جمهوري عادل وبناء مجتمع تسوده المساواة والعدالة لم تكن في جوهرها تتحرك ضد أشخاص بأسمائهم ولا ضد جماعة لمجرد انتمائها وإنما كانت تستهدف بنية سياسية واجتماعية رأت فيها عائقًا أمام الإنسان اليمني وحقه في أن يكون مواطنًا كامل الحقوق.


ومن هنا جاءت قيمة تلك الأهداف، فهي لم تُصغ لتخدم لحظة سياسية عابرة ولا لتكون صالحة لجيل واحد ثم تنتهي صلاحيتها بانتهاء ذلك الجيل.

إنها، في جوهرها مبادئ تتصل بالإنسان أينما كان وتظل الحاجة إليها قائمة ما بقيت هناك سلطة استبداد تقوض الحرية وتفرض القيود وتمنع المساواة وتؤصل للتمييز.


والأهم أن سبتمبر لم يضع الإنسان في هامش مشروعه بل وضعه في مركزه. تحرير الإنسان لا يعني فقط تحريره من سلطة سياسية أو اجتماعية وإنما تحرير عقله أيضًا بأن يفكر ويسأل ويناقش ويختلف وأن يتحرر من الخوف ومن كل ما يحول بينه وبين حقه في صناعة مستقبله.


وهنا تتجاوز أهداف سبتمبر حدود السياسة إلى معنى أعمق: تحرير الإنسان من عبودية الإنسان وإعادة الاعتبار للعقل بوصفه أداةً للمعرفة والتمييز لا مجرد تابع لما يُفرض عليه من أفكار أو مرجعيات أو ادعاءات.


ولذلك يمكن قراءة أهداف سبتمبر باعتبارها امتدادًا لذلك المعنى الإنساني الكبير الذي عرفته المجتمعات عبر التاريخ: كرامة الإنسان والعدل،د والحرية والمساواة ورفض الاستبداد. وهي قيم لم تكن ملكًا لزمان أو جغرافيا بعينها وإنما ظلت حاضرة في جوهر الشرائع والقوانين والتجارب الإنسانية المختلفة.


لقد كانت أهمية سبتمبر أيضًا في توقيته التاريخي. فقد جاءت الثورة في مجتمع كان بحاجة إلى انتقال كبير من بيئة اجتماعية مقفرة ومن بنية سياسية ضحلة ومن فضاءات مغلقة إلى آفاق جديدة.

ولذلك لم يكن الصراع حول تغيير رأس السلطة وحده بل حول تغيير تصور الإنسان لذاته ولمجتمعه ولدولته ومستقبله.


ومن هذه الزاوية ندرك لماذا تعرضت الثورة وأهدافها طوال مسيرتها لموجات المقاومة والتشويش والتأويل والتحريف ومحاولات الالتفاف؟

فالأفكار الكبرى لا تنتهي بمجرد إعلانها وإنما تبدأ معركتها الحقيقية عندما تدخل ميدان الواقع.


لقد بقيت أهداف سبتمبر منذ إعلانها أكبر من أن تُختزل في مناسبة احتفالية أو خطاب سياسي موسمي.

فهي قبل كل شيء سؤال مفتوح عن الإنسان اليمني ومنه: هل لليمني أن يكون حراً؟ وهل له أن يكون مواطنا متساويا مع اخيه المواطن؟ أم يراد له البقاء محكومًا بسلالات وطبقات وامتيازات؟

وهل يحق للعقل اليمني اليمني أن يمتلك القدرة على إنتاج مستقبله؟ أم يبقى أسير الماضي؟


ولذلك فإن الاحتفاء بالسادس والعشرين من سبتمبر لا ينبغي أن يتوقف عند استعادة تاريخ الثورة بل يجب أن يمتد إلى استعادة المعنى الذي قامت من أجله.


فالثورات لا تموت حين تتغير الظروف وإنما تفقد معناها حين يتوقف الناس عن الدفاع عن القيم التي قامت من أجلها.


لذلك تبدو أهداف سبتمبر الستة بعد عقود من إعلانها وكأنها ما زالت تطرح الأسئلة نفسها وتطالب بالإجابات نفسها.


فإذا كان سبتمبر قد كسر أصنام الاستبداد القديمة فهل يستطيع جيلنا كسر الأصنام التي أعادت إنتاجها في صور جديدة؟


تلك هي المسألة.


ما لم:

فَلْنَعتبر "هُبلاً" قد عاد ليقدم الأمداد وانتصبت "الْعُزَّى" مُخَيِّرةً إما:

"العناق؟ أوالفراق"!.