هناك مناطق تُعرف بموقعها على الخريطة، وهناك مناطق تُعرف برجالها حين تضيق الخريطة وتشتعل الجبهات،والصبيحة من تلك الأرض التي لا تحتاج إلى كثير من التعريف، لأن الميدان نفسه كان شاهداً عليها، ولأن سنوات الحرب الطويلة تركت على ترابها أسماء رجال، وآثار أقدام مقاتلين، وذكريات شهداء وجرحى لا يمكن اختصارها في سطر أومناسبة.
ا في الصفوف الأولى، ودفعوا من أبنائهم ثمناً باهظاً، وخرج منهم قادة ومقاتلون تركوا بصماتهم في محطات مختلفة من الحرب اليمنية ،ومن العمالقة إلى تشكيلات عسكرية وأمنية أخرى، ظل اسم الصبيحة حاضراً في المشهد، يحمل معه ثقلاً اجتماعياً وميدانياً لا يمكن تجاهله ،ولعل أجمل ما في الصبيحة أنها لم تكن يوماً بحاجة إلى أن تقول كثيراً عن نفسها ،كانت تترك للميدان أن يتحدث ،وحين نتحدث عن رجال الميدان من أبناء الصبيحة، يبرز اسم حمدي شكري الصبيحي بوصفه أحد الأسماء التي ارتبط حضورها بسنوات طويلة من المواجهات، وبرزت في أكثر من محطة من محطات الحرب.
حمدي شكري ليس اسماً جاء من خلف المكاتب، ولا صورة صنعتها الدعاية ثم بحثت لها عن ميدان ،لقد تشكل حضوره في زمن كانت فيه الجبهات هي المكان الذي تُختبر فيه الرجال، وكانت المواقف فيه أغلى من الكلمات ،منذ البدايات الأولى لمواجهة الحوثيين، ارتبط اسمه بالميدان، ثم أصبح لاحقاً أحد الأسماء المعروفة في صفوف ألوية العمالقة، وظل حضوره مرتبطاً بالمواجهات واالصبيحة ليست مجرد قبائل مرّت على ساحات القتال، ولا مجرد أسماء ظهرت في نشرات الأخبار ثم غابت، الصبيحة حكاية رجال عرفوا الميدان، وعرفوا أن المعركة حين تبدأ لا تسأل الرجل من أي قرية جاء، وإنما تسأله ،هل ستثبت أم تتراجع؟ وهل ستبقى حين يشتد الخطر، أم تبحث عن أول طريق للنجاة؟ وفي هذا الامتحان الطويل، كان أبناء الصبيحة حاضرين ،حضروا في الجبهات، وحضر
ولتحولات العسكرية التي شهدتها البلاد.
وقد يختلف الناس في السياسة، وقد تختلف القراءات حول الحرب وأسبابها ونتائجها، لكن شيئاً واحداً لا يستطيع أحد أن يمحوه بسهولة: أن سنوات الحرب صنعت رجالاً عرفتهم الجبهات قبل أن تعرفهم المنابر ،ومن بين هؤلاء الرجال حمدي شكري ،الرجل الذي حمل اسم الصبيحة معه إلى ميادين مختلفة، شمالاً وجنوباً، وارتبط اسمه برجال قاتلوا تحت قيادته، وبشهداء وجرحى تركوا خلفهم عائلات تنتظر وتدعو وتتذكر ،وهنا تكمن قيمة الحكاية الحقيقية ،فالانتصار ليس صورة تُلتقط أمام الكاميرا، ولا منشوراً يُكتب بعد انتهاء المعركة ،الانتصار الحقيقي هو أن تدفع ثمناً ثم تبقى واقفاً، وأن تفقد رجالاً من حولك ثم تواصل تحمل المسؤولية، وأن تعرف أن وراء كل مقاتل أماً وأباً وزوجة وأطفالاً ينتظرون عودته ،وهذا هو الوجه الذي يجب ألا ننساه ونحن نصف أبناء الصبيحة بالرجال ،إنهم لم يرثوا من الجبهات المجد وحده، بل ورثوا معها الجراح، وذكريات الشهداء، وثقل المسؤولية ،ولهذا فإن الحديث عن الصبيحة ليس حديثاً عن قبيلة في مواجهة قبيلة، ولا عن منطقة في مواجهة منطقة بل عن مجتمع يمني واسع قدّم أبناءه في واحدة من أكثر المراحل قسوة في تاريخ اليمن الحديث ايظن عن قبيلة واجهة دولة بكل عتادها واجهة محور الشر إيران وحلفاؤها.
يا أبناء الصبيحة، أنتم لا تحتاجون إلى من يمنحكم شهادة في الرجولة، فالشهادة كتبها الميدان منذ سنوات، وكتبها الرجال الذين ذهبوا ولم يعودوا، وكتبها الجرحى الذين حملوا آثار المعارك في أجسادهم، وكتبها الآباء الذين ودعوا أبناءهم، والأمهات اللواتي ما زلن يحتفظن بصور أولئك الذين خرجوا من أبواب بيوتهم ولم يعودوا ،ولكن التاريخ لا يطلب من الرجال أن يعيشوا على أمجاد الماضي ،التاريخ يطالبهم بأن يكونوا على قدر ما تركه الماضي من أمانة ،وهنا تأتي مسؤولية الصبيحة اليوم، أن تجعل قوتها مصدر أمن لأهلها، وأن تجعل مكانتها جسراً بين أبناء اليمن لا جداراً بينهم، وأن يبقى اسمها مرتبطاً بالشهامة والوفاء وحماية الناس وصون الأرض، لا بالفرقة والاقتتال الداخلي.
أما حمدي شكري الصبيحي، فسيبقى واحداً من الأسماء التي لا يمكن فصلها عن مرحلة ميدانية طويلة من تاريخ الحرب اليمنية ،رجلٌ اختار منذ وقت مبكر طريق الميدان، وحمل معه اسم الصبيحة إلى ساحات مختلفة، وترك خلفه مسيرة سيحكم عليها التاريخ بكل تفاصيلها عندما تهدأ أصوات البنادق وتُفتح دفاتر السنوات الماضية..
سلامٌ على الصبيحة، أرضاً ورجالاً ،سلامٌ على شهدائها الذين غابوا وبقيت أسماؤهم،سلامٌ على جرحاها الذين حملوا المعركة في أجسادهم ،وسلامٌ على كل رجل وقف في الميدان حين كان الوقوف ثقيلاً ،ويا أبناء الصبيحة، لقد عرفكم اليمن في ساعة الشدة، فلا تجعلوا أعظم ما في تاريخكم مجرد ذكرى تُروية اجعلوا منه أمانة تُصان ،فالأرض التي أنجبت رجال الميدان، لا يليق بها إلا أن يبقى رجالها كباراً في مواقفهم، كباراً في وفائهم، وكباراً في قدرتهم على جمع اليمن حين يتفرق الآخرون ،تلك هي قبائل الصبيحة حين يكون للميدان رجال، وللرجال صبيحة.