آخر تحديث :الأربعاء-07 أكتوبر 2026-02:05ص

لمن أرادوا أن تعود عقارب الساعة إلى الوراء!!!

الجمعة - 25 سبتمبر 2026 - الساعة 09:22 ص
د. سعيد سالم الحرباجي


قال عبدالله البردوني وهو يستقبل فجر الجمهورية:

أفقنا على فجر يومٍ صبي

فيا ضحوات المنى أطربي

لم يكن الشاعر الكبير هنا يصف صباحًا عاديًا من صباحات اليمن، بل كان يؤرخ بلغة الشعر للحظة نادرة في حياة الشعوب..

لحظة قرر فيها اليمنيون أن يخرجوا من ضيق العصور المغلقة إلى رحابة الدولة، ومن منطق الامتيازات الموروثة إلى منطق المواطنة، ومن حكم الأشخاص إلى حكم المؤسسات.

لقد جاءت ثورة السادس والعشرين من سبتمبر حاملةً حلمًا كبيرًا: أن يكون اليمن وطنًا يتساوى فيه الناس أمام القانون، وأن تكون الدولة مظلة للجميع، لا إرثًا لفئة ولا امتيازًا لسلالة.

ولهذا لم يكن سبتمبر مجرد تغيير سياسي؛ بل كان إعلانًا تاريخيًا بأن الإنسان اليمني جدير بالحياة الكريمة، وبأن الوطن أكبر من العصبيات، وأوسع من الانقسامات، وأبقى من المشاريع الضيقة.

غير أن التاريخ – كما يقول المفكرون – لا يسير دائمًا في خط مستقيم.

ففي بعض المنعطفات تظهر قوى تحاول أن تعيد قراءة الزمن بعين الماضي، وأن تستدعي أفكارًا ظن الناس أن العصر قد تجاوزها.

ففي سبتمبر 2014 دخل اليمن مرحلة جديدة من الصراع بعد سيطرة جماعة الحوثي على صنعاء ومؤسسات الدولة وما أعقب ذلك من حرب طويلة وتداعيات إنسانية واقتصادية واسعة .

والمفارقة التي تستحق التأمل أن ثورة سبتمبر 1962 جاءت لترفع فكرة الدولة، بينما أفضت أحداث سبتمبر 2014 إلى إضعاف مؤسساتها وتوسيع دائرة الانقسام والصراع.

إن أخطر ما تواجهه الأمم ليس الحرب وحدها، بل الأفكار التي تحاول أن تجعل الماضي بديلًا عن المستقبل، وأن تستبدل مفهوم المواطنة بمفاهيم تقوم على التمايز الاجتماعي أو الامتيازات الموروثة، لأن الدولة الحديثة لا تستقيم إلا على قاعدة واحدة: أن الناس متساوون في الحقوق والواجبات.

ومن هنا تبدو المفارقة ساخرة إلى حد الألم؛ ففي زمن الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والفضاء المفتوح، ما زال اليمنيون يخوضون معركة قديمة حول بديهيات يفترض أن تكون محسومة: هل الدولة للجميع أم لفئة؟ هل القانون فوق الجميع أم أن القوة هي التي تصنع الحق؟ وهل المستقبل يُبنى بالعلم والمؤسسات أم بإحياء انقسامات الماضي؟

لقد دفعت اليمن ثمنًا باهظًا من دماء أبنائها واقتصادها واستقرارها الاجتماعي خلال سنوات الحرب، وما يزال المواطن البسيط هو من يتحمل العبء الأكبر:

ومع ذلك : فإن الشعوب لا تعيش على الألم وحده ....بل على الأمل أيضًا.

ولهذا بقيت سبتمبر في وجدان اليمنيين أكثر من ذكرى تاريخية....

إنها رمز لفكرة الدولة، وحلم العدالة، وطموح الإنسان البسيط في أن يعيش حرًا كريمًا في ظل نظام يحكمه القانون وتضبطه المؤسسات.

وقد أدرك البردوني هذه الحقيقة مبكرًا، حين ختم قصيدته بنداء يحمل معنى عميقًا:

طلعنا ندلّي الضحى ذات يوم

ونهتف: يا شمسُ لا تغربي

فشمس الحرية التي تحدث عنها البردوني ليست شمس السماء وحدها....

بل شمس الوعي، وشمس الدولة، وشمس المساواة بين الناس.

فقد تتلبد السماء بالغيوم، وقد يطول الليل، وقد تتعثر الأحلام، لكن الأمم التي عرفت طريق الفجر مرة.... لا تنسى اتجاه النور .

وسيظل السؤال حاضرًا في وجدان اليمنيين:

كيف نبني دولة يتساوى فيها الجميع، ويكون القانون فيها فوق الجميع، ويصبح المستقبل ملكًا لكل أبنائها؟

ذلك هو السؤال الذي حمله سبتمبر بالأمس، وما يزال اليمن يبحث عن جوابه حتى اليوم.