وصلنا اليوم الخميس إلى جبهة الاغبرة برفقة ثلاثة عشر مقاتلًا من أبناء الصميتة.
كان المطر يرافقنا في الطريق وكأن السماء هي الأخرى أرادت أن تشاركنا المشهد وفي وادي امجشم وادي بطان بالمغبرة اشتدت زخاته فتوقفنا في بقالة متواضعة اتقاءً لسيل الوادي وهناك أكرمنا صاحبها الاغبري بالشاي قبيل صلاة العصر.
ما إن هدأ المطر حتى واصلنا الطريق برفقة أحد أبناء الاغبرة نحو السدير بلاد الشهيد الشيخ علي حسن الاغبري.
وعند وصولنا مدرسة السدير كان في استقبالنا شيخ قبيلة الاغبرة الشيخ أمين اللسلوس شامخًا بشموخ قبيلته ومعتزًا بما قدمه أبناؤها من تضحيات جسام وكما صادف اليوم سقوط أربعة شهداء من خيرة رجالها ومن بينهم احد ابطال اللواء الخامس مشاة ركن الطبية الرائد جميل الاغبري بمعية ثلاثة من أبناء قبيلته الاشاوس ..رحمة الله تغشاهم .
استقبلنا الشيخ أمين بحفاوة بالغة ورحب بأبناء الصميتة وكأننا أبناء بيت واحد.
وهنا أدركت أن الرجال لا تصنعهم الكلمات وإنما تصنعهم المواقف.
كان الشيخ أمين يفتخر بقدوم أبناء الصميتة إلى ديار إخوانهم وإسنادهم للجبهة وكأن في حضورهم رسالة واضحة مفادها أن القبائل حين تناديها الأرض لا تسأل عن المسافة ولا عن التعب بل تسأل عن الميدان بانه هو الفرس ..
ثم انتقلنا إلى مقر تواجد قيادات اللواء الخامس مشاة بقيادة غضنفر المعارك بكيل الكعلولي .. وهناك رأينا مشهدًا آخر من مشاهد الرجال استعداد وتأهب وعيون شاخصة ترصد اي تحركات ويدها على الزناد العدو لاغير فهو المرصود في الناظور لاغير ..
رجال من شبوة ومن لحج ومن أبين ويافع وقبائل الجوار العركمة والجرتتة والكعللة والاغبرة واضافة لحضور الصميتة اليوم ومن مختلف قبائل الصبيحة تجمعهم راية واحدة وموقف واحد.
وفي الجهة الأخرى تنتشر وحدات عسكرية من اللواء السادس عمالقة واللواء السادس درع الوطن.
وتزامنت زيارتنا للجبهة مع زيارة كانت صباحية لشيخ مشايخ الصبيحة الشيخ عبدالرحمن جلال لتكتمل صورة الحضور القبلي والعسكري لهذه المنطقة التاريخية ...
لكن المشهد الذي استوقفني أكثر من غيره هو ما رأيته من أبناء الاغبرة وبقية القبائل وفي مقدمتهم أبناء الكعللة الذين كان حضورهم إلى جانب إخوانهم الاغبرة لافتًا سيسجله التاريخ وان تجاهله الاعلام ...
هناك رجال يقفون إلى جانب رجال.
وهناك قبائل تعرف أن الأرض لا يحميها الكلام وأن الكرامة لا تُصان بالشعارات بل بالتضحيات ..
لقد صنعت هذه القبائل مع منتسبي الوحدات العسكرية حاجزًا صلبًا من الرجال في أرض جبلية قاسية تعرف جيدًا كيف تختبر الرجال وكيف تمنح من يصمد فيها معنى آخر للصمود فيها رجال خلقوا فطرتهم على ماهية ارضهم امثال القائد بكيل الكعلولي الذي كنا في سؤال عنه لقينا الاجابة بانه في زيارة المواقع القتالية انها والله مواقف ...
وفي الاغبرة لا تجد الحكاية مجرد مواقع وجبال من خلال تواجدي هناك سمعنا مالم نريد ان نسمعه اصوات مدافع الهاون والمضادات والتي كانت تصدع اصواتها في الجبال لترد عليها الجبال بان أمامكم رجال يرتاحوا بسماعها وكأنهم أمام موسيقى تعزف الحانا لتطرب ناظريها ...انها والله قبائل شامخة ترفع الرأس اعطتني ارتياح غير عادي بان النصر لامحالة سيتحقق مهما كانت المحاولات الحوثية فإنها بائسة ومنكسرة والقبائل منتصرة..
تجد دماء شهداء وتضحيات رجال وبيوتًا دفعت من أبنائها ثمنًا غاليًا لتحقيق النصر المؤزر ..
ولا يمكن أن أغادر هذا المشهد دون أن أرفع القبعة لأبناء الاغبرة واخرى لابناء الصميتة الذين أبوا إلا أن يكونوا بين إخوانهم من القبائل وأن يصلوا إلى هذه الديار حاملين موقفهم قبل سلاحهم.
جاؤوا ليقولوا إن الصميتة ليست بعيدة عن الاغبرة.
وإن أبناء القبائل مهما فرقت بينهم الجبال والطرق .. تجمعهم الأرض والعرض والشرف والموقف.
في الاغبرة اليوم رأيت رجالًا يجب أن ترفع لهم القبعات تحية وتقدير بما قدموه من تضحيات بطولية اسطورية ..
والرجال حين يجتمعون في موقف واحد تتحول الجبال من تضاريس صعبة إلى جدار لا يُستهان به يتحول العدو إلى فريسة سهلة للذئاب الجنوبية ...
جلال السويسي