آخر تحديث :الخميس-24 سبتمبر 2026-12:56ص

اليمن يستحق السلام وأهله يستحقون أن يعيشوا حياة طبيعية وآمنة

الأربعاء - 23 سبتمبر 2026 - الساعة 11:11 م
علوي سلمان


السلام بالنسبة لليمني هو معنى بسيط وعميق في آن واحد، أن يعود طفله من المدرسة دون خوف، وأن يجد الموظف راتبه آخر الشهر، وأن ينام النازح في مخيمه دون أن يقلق من قذيفة أو سيل يجرف خيمته، وأن يسافر المسافر بين محافظتين دون أن يمر بعشر نقاط تفتيش تتبع عشر جهات مختلفة. بعد عقد ونيف من الحرب، لم يعد اليمنيون بحاجة لمن يقنعهم بأن الحرب مدمرة، فهم يعيشون آثارها كل يوم، لكنهم بحاجة لمن يقنع الأطراف بأن هذا الشعب تعب وأنه يستحق فرصة حقيقية ليعيش حياة طبيعية وآمنة.

في الخطاب السياسي الرسمي، يبدو الجميع متمسكا بالسلام، لكن الخلاف يكمن في تعريفه وشروطه. الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا ترى عبر مندوبها في الأمم المتحدة السفير عبدالله السعدي أن السلام لا يمكن أن يتحقق دون وجود شريك حقيقي يتخلى عن خيار الحرب ويؤمن بالحقوق والمواطنة المتساوية ويتخلى عن العنف كوسيلة لفرض أجندته السياسية ويضع مصالح الشعب فوق كل اعتبار. وهو طرح يقترب منه رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي عندما يقول إن السلام المنشود لا يمكن أن يستجدى بل يجب أن يفرض وأن سياسة إدارة الصراع عبر مزيد من الحوافز لم تجلب سوى مزيد من الويلات وأن سياسة الاحتواء منحت الأطراف المسلحة الوقت والموارد لتوسيع ترسانتها. في المقابل، ترى سلطة صنعاء عبر رئيس مجلسها السياسي مهدي المشاط أن الحديث عن سلام مع استمرار الحصار وإغلاق الموانئ والمطارات هو أمر لن يقبله الشعب، وأنها مع السلام المشرف الذي يبدأ برفع الحصار ووقف الحرب. وبين الروايتين يضيع صوت المواطن الذي لا يهتم بمن يبدأ أولا، بل بمن ينهي معاناته أخيرا.

على المستوى العسكري، تبدو الصورة أكثر تعقيدا وقسوة. فريق من الخبراء والمتقاعدين يرى أن بنية الحرب تغيرت وأن السلام المجزأ قد يتحول إلى قنبلة موقوتة. يقول الخبير العسكري محمد الكميم إن السلام مستحيل في اليمن والمنطقة في ظل وجود سلاح خارج إطار الدولة، وأن الاستقرار لن يتحقق إلا بمعالجة ملف الجماعات المسلحة بجدية قبل أن تتحول كلفته إلى عبء إقليمي ودولي. ويرى هذا التيار أن أي تسوية لا تتضمن توحيد السلاح بيد الدولة ستعيد إنتاج الحرب بشكل آخر. في المقابل، يجادل فريق آخر من العسكريين المتقاعدين الذين عايشوا حروب صعدة الست وحرب 1994 وما بعدها، أن الحسم العسكري جرب بكل أشكاله ولم ينتج دولة قوية، وأن استمرار منطق الغلبة يعني فقط استنزاف ما تبقى من النسيج الاجتماعي والجيش، وأن المخرج الوحيد هو التوافق على جيش وطني واحد وحكومة وحدة وطنية تضمن سحب السلاح من كل الجماعات دون استثناء.

ويأتي صوت الباحثين والأكاديميين ليمنح هذه النقاشات شيئا من الرصانة التاريخية. الأكاديمي اليمني الدكتور عبدالرحمن الشامي، الأستاذ في جامعة قطر، يلخص المسألة بأن الحرب في اليمن ستنتهي حتما وأنه لا يمكن حل المشكلة بقوة السلاح بل بالجلوس على طاولة الحوار، ويتساءل بمرارة هل رسخت حرب 1994 الوحدة اليمنية وهل أنهت الحروب الست في صعدة جذور الصراع وهل قوى الاستقواء وإقصاء المعارضة منذ 1994 حتى 2011 قوت السلطة. ويخلص إلى أن الحسم العسكري غير وارد وأن مخرجات مؤتمر الحوار الوطني التي جمعت كل الأطراف يمكن أن تكون أساسا لبناء دولة المواطنة المتساوية. ويشاركه هذا التصور الباحث السياسي ياسين التميمي الذي يرى أن نقض الهدنة القائمة منذ 2022 حول المشهد إلى حرب شاملة ذات مخاطر تتجاوز اليمن إلى أمن المنطقة وخطوط الملاحة، فيما يحذر الباحث أحمد عليبة من أن صورة الحل تبدو قاتمة لأن الأطراف لم تصل بعد إلى مرحلة الإنهاك الكامل ولا تزال تمتلك القدرة على التعبئة، ما يعني أن أي سلام غير عادل سيكون مجرد هدنة لالتقاط الأنفاس.

ما يجمع كل هذه الأصوات المتباينة، سياسية كانت أو عسكرية أو أكاديمية، هو حقيقة واحدة أكدها المفكر عبدالباري طاهر عندما قال نحتاج اليوم في اليمن إلى إشهار السلام لا إشهار السلاح. فالاعتقاد بأن السلام يصب في مصلحة طرف دون آخر هو خطأ فادح، لأن السلام مصلحة عامة وضرورة حياتية لكل فئات الشعب بمختلف مناطقه وقبائله وطوائفه، وضحايا هذه الحرب هم كل أبناء الشعب التواقين للأمن والاستقرار، أما المستفيد الوحيد فهم تجار الحرب في الداخل والخارج.

اليمن اليوم لا يطلب المستحيل، هو فقط يطلب الحد الأدنى من الحياة الطبيعية، كهرباء لا تنقطع، ومدرسة تفتح أبوابها كل صباح، ومستشفى يعمل بكامل طاقته، وطريق آمن، وراتب يكفي حتى نهاية الشهر، ووطن لا يحتاج فيه 22 مليون إنسان إلى مساعدة إنسانية ليعيش. الحرب جربت بكل أدواتها، وكانت النتيجة دمارا في البنية التحتية وانهيارا في الخدمات وأجيالا كاملة بلا تعليم. لذلك فإن القول بأن اليمن يستحق السلام ليس جملة إنشائية، بل هو خلاصة عقلانية لتجربة طويلة من الفشل. السلام في اليمن ليس انتصارا لطرف على آخر، بل هو انتصار لليمنيين جميعا.