لم يكن باب المندب يوماً مجرد ممر مائي على خارطة اليمن بل واحداً من أهم الشرايين البحرية التي تربط الشرق بالغرب وتصل البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي ولذلك فإن محاولة جماعة الحوثيين تحويل هذا الممر الاستراتيجي إلى ورقة نفوذ خاصة بها لم تجعلها مالكة للقرار فيه بقدر ما وضعتها أمام اختبار دولي بالغ التعقيد.
فباب المندب الذي يمثل أحد أهم الممرات البحرية العالمية تمر عبره نسبة مهمة من التجارة البحرية الدولية وقدّر الأونكتاد حصته من إجمالي حجم التجارة البحرية العالمية بنحو 8.7% في عام 2023م كما أن اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر دفعت شركات الشحن إلى تغيير مساراتها ورفعت كلفة النقل والتأمين وأثرت في سلاسل الإمداد العالمية ومن هنا تبدو المفارقة واضحة ما أرادت جماعة الحوثيين تقديمه باعتباره مصدر قوة ونفوذ يمكن أن يتحول إلى أحد أبرز مصادر الضغط عليها.
وقد يعتقد البعض أن سيطرة الحوثيين على باب المندب يمنحهم ورقة رابحة في مواجهة خصومهم لكن المسألة أعقد من ذلك بكثير فحين تتحول جماعة مسلحة مرتبطة بإيران إلى طرف قادر على تهديد أحد الممرات البحرية الحيوية فإن القضية لا تبقى محصورة داخل الحدود اليمنية ولا تعود مجرد خلاف سياسي أو عسكري بين أطراف يمنية وهذا ما حدث بالفعل خلال السنوات الأخيرة إذ أدت هجمات الحوثيين على الملاحة في البحر الأحمر إلى اضطرابات واسعة في حركة السفن واضطرت شركات شحن دولية إلى تغيير مساراتها نحو رأس الرجاء الصالح ما انعكس على زمن الرحلات وتكاليف النقل والتأمين وسلاسل الإمداد.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى كلما حاول الحوثي استخدام باب المندب لتوسيع نفوذه ازداد اهتمام المجتمع الدولي بهذا الممر وازدادت معه كلفة أي تهديد يطال حركة الملاحة.
التطورات الأخيرة كشفت جانباً أكثر إثارة في هذه المعادلة فبحسب ما أوردته وكالة «رويترز» في سبتمبر 2026، عقد مسؤولون أمريكيون لقاءً سرياً مع ممثلين عن جماعة الحوثيين في مسقط، ونقلت الوكالة عن مصادر مطلعة أن الوفد الحوثي قدم تطمينات بعدم استهداف السفن الأمريكية والإسرائيلية مع الإبقاء على التهديد للسفن السعودية وهنا يبرز السؤال السياسي الذي يصعب تجاهله كيف انتقل الخطاب الحوثي من شعار «الموت لأمريكا» و«الموت لإسرائيل» إلى تقديم تطمينات للأمريكيين والإسرائيليين بشأن سفنهم؟ في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
الأمر لا يحتاج إلى كثيرا من الشرح فحين تدخل الشعارات مرحلة الاختبار الحقيقي أمام المصالح والضغوط الدولية تظهر الفجوة بين الخطاب التعبوي وبين الحسابات السياسية الواقعية وليس المقصود هنا القول إن باب المندب أصبح آمناً أو أن التهديد الملاحي انتهى بل إن التطورات تشير إلى أن الجماعة باتت مضطرة إلى حساب ردود الفعل الدولية وأن استخدام الممر البحري كسلاح سياسي ليس قراراً بلا كلفة.
والأخطر من ذلك بالنسبة للحوثيين أن تهديد الملاحة الدولية ساهم في تغيير طبيعة النظرة الدولية إلى الجماعة فلم تعد الجماعة تُناقش فقط باعتبارها طرفاً في نزاع يمني داخلي وإنما أصبحت أفعالها مرتبطة بأمن الملاحة الدولية وسلاسل الإمداد والتجارة العالمية وقد وثقت الأمم المتحدة حجم التأثير الذي أحدثته اضطرابات البحر الأحمر في حركة التجارة بما في ذلك انخفاض حركة العبور في قناة السويس وتحويل سفن كثيرة لمساراتها حول أفريقيا.
وهذه النقلة تحمل في طياتها بعداً سياسياً مهماً بالنسبة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً إذ تتيح لها مخاطبة المجتمع الدولي من زاوية مختلفة فالحوثي لم يعد طرف مسلح يطالب بحصة في السلطة وإنما جماعة تمارس نفوذاً مسلحاً على منطقة ذات أهمية استراتيجية للأمن البحري العالمي خدمة لإيران وفي المقابل فإن أي تصعيد حوثي في باب المندب والبحر الأحمر يمكن أن يستدعي مزيداً من التحركات الدولية والإقليمية ويجعل الجماعة أمام شبكة أوسع من الضغوط والحسابات وقد نشهد تدخل دولي لحماية حرية الملاحة البحرية في باب المندب.
ربما أراد الحوثيون أن يجعلوا من باب المندب نسخة يمنية من أوراق النفوذ الإقليمية وأن يقولوا للعالم إن من يملك الساحل يستطيع فرض شروطه لكن الجغرافيا السياسية لا تعمل بهذه البساطة فالممرات الدولية لا تصبح ملكاً لجماعة مسلحة لمجرد أن لديها وجوداً عسكرياً بالقرب منها او السيطرة المؤقتة على الجغرافيا لا تعني امتلاك القرار الدولي المرتبط بها.
وهكذا يتحول باب المندب شيئاً فشيئاً من الورقة التي أراد الحوثي استخدامها لفرض نفوذه إلى ورقة ضغط عليه فكلما اقتربت الجماعة من تهديد الملاحة الدولية اتسعت دائرة الأطراف المعنية بها وكلما اتسعت هذه الدائرة تقلصت مساحة المناورة أمامها.
ولم يعد باب المندب غنيمة حوثية ولا ملكاً لجماعة أو فصيل إنه ممر دولي يقع في قلب الجغرافيا اليمنية وأمنه جزء من أمن المنطقة والعالم وإذا كان الحوثي قد أراد أن يجعل منه مصدر قوة فإن الوقائع المتراكمة تقول إن هذه الورقة تحمل وجهاً آخر ورقة يمكن أن تنقلب على من يحاول استخدامها وأن تجعل من صاحبها هدفاً لمزيد من الضغط الدولي بدلاً من أن تمنحه النفوذ الذي يبحث عنه.