كشفت خطابات قادة العالم الإسلامي في المحافل الدولية عن مفارقة جيوسياسية عميقة ما تزال تؤكد على عقدة العقل السياسي .
فهذا العالم بمتلك الجغرافيا والموارد والسكان والممرات الاستراتيجية ولكنها جميعا معطلة من جهة ويمارس فيها التدمير والتفريغ من جهة أخرى.
وما تزال هذه الدولة المقيدة بادارة الاستعمار منذ نشأتها تواجه النظام الدولي من موقع إدارة المخاطر أكثر من موقع صناعة القواعد.
ومن طلب الدعم في حل خلافاتها أكثر من مبادراتها في فرض الحلول ولعل المجتمعات تعاني عقد الاستبداد والطوطم الأمومي.
وفي الدورة الحالية للجمعية العامة حيث تتركز المناقشات حول الحروب والأمن وإصلاح النظام الدولي، تبدو هذه المفارقة أكثر وضوحا وانعكاسا لطبيعة التكوين الشخصية للمجتمع والنظام.
إن المشكلة ليست في غياب القوة وإنما في تجزؤ القوة. فالعالم الإسلامي لا يظهر ككتلة جيوسياسية واحدة وإنما كمساحات متباينة المصالح تتحرك كل منها وفق أمنها الوطني وعلاقتها بالقوى الكبرى وموقعها من الصراعات الإقليمية.
ولهذا فإن الخطاب عن السيادة يبدو قويا في المنابر الدولية بينما تظل القدرة في تحويل هذه السيادة إلى قرار إقليمي مستقل محدودة.
والخطاب السياسي في كثير من هذه الدول يبدأ من مفردات القانون الدولي واحترام السيادة ورفض التدخل وحماية الشعب وإنهاء الحروب.
و لكن الجغرافيا السياسية تقول شيئا مختلفا وتشير إلى أن الواقع يحتاج قيادة ميدانية تجمع بين السياسة والحضور الميداني.
إن الدولة التي لا تستطيع حماية مجالها الحيوي تضطر إلى استعارة أمنها من الخارج، ومن يستعير الأمن يستعر به ويفقد قراره.
كما أن تضخيم القرار والخطاب دون الوعي بالواقع إشكالا آخر وهنا تأتي المقارنة بين قرارات تجيد الموافقة وقرارات انفعالية.
وهنا تكمن العقدة الأساسية.
فالدول الواقعة على الممرات البحرية لا تستطيع فصل أمنها عن القوى البحرية الكبرى والدول المحيطة بمناطق الصراع لا تستطيع عزل نفسها عن ارتدادات الحروب والدول ذات الموارد تحتاج إلى الأسواق والتكنولوجيا والحماية والدول الواقعة بين القوى الإقليمية الكبرى تجد نفسها مضطرة إلى سياسة توازن بين امكانياتها ومصالحها.
أما الدول المنهكة بالحروب فقد تحولت عن صناعة القرار إلى موضوع للتفاوض بين الآخرين.
لذلك فإن الحاكم في العالم الإسلامي يتحدث في الخارج بلغة السيادة ولكنه يعود إلى الداخل محكوما بمعادلات أخرى من النظام واستقرار الاقتصاد وحماية الحدود وإدارة العلاقة مع القوى الكبرى.
وهذا يفسر التناقض الظاهر في الخطابات.
هناك حديث عن استقلال القرار بالتوازي مع الاعتماد على المظلات الأمنية الخارجية وهناك حديث عن وحدة المصير بينما تتحرك العواصم وفق حسابات وطنية متعارضة.
وهناك دفاع عن القضية الفلسطينية بينما لا توجد حتى الآن قدرة جماعية على تحويل الثقل الاقتصادي والجغرافي الإسلامي إلى أداة سياسية متماسكة وهناك رفض للتدخل الخارجي و لكن كثيرا من أنظمة المنطقة تحتاج إلى الوساطة أو الحماية أو الدعم العسكري والاقتصادي الخارجي.
ولا يعني ذلك أن جميع الدول متشابهة لإن الجغرافيا والاستعمار والتبعية والأصالة أنتج مدارس مختلفة للحكم.
فبعض الأنظمة بنت شرعيتها على الاستقرار والتنمية وبعضها على المقاومة وبعضها على القومية وبعضها على المرجعية الدينية وبعضها على التحالف مع الغرب وبعضها على مزيج انتقائي من هذه العناصر.
ولكن النتيجة المشتركة هي أن الدولة الإسلامية الحديثة لم تنجح بعد في إنتاج صيغة مستقرة تجمع بين السيادة السياسية والاستقلال الاستراتيجي والشرعية الداخلية.
وفي المقابل فإن القوى الكبرى لا تتعامل مع العالم الإسلامي كفضاء حضاري واحد وإنما تعاملت معه كمجموعة من شبكات مختلفة من مصالحها كن جهة المواقع الاستراتيجية و الطاقة والمضائق و البحار و الأسواق والقواعد والحدود والممرات التجارية ومناطق النفوذ.
وهنا تصبح الجغرافيا أقوى من الخطاب.
فالمضيق أهم من البيان السياسي والميناء أهم من الشعارات والقاعدة العسكرية أهم من التصريح الدبلوماسي والقدرة الاقتصادية أهم من المطالبة الأخلاقية والقدرة على حماية المجال الجوي والبحري والبري هي التي تحدد استقلال القرار.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم التحولات الأخيرة في المنطقة فالحرب على إيران وما ارتبط بها من تهديدات للملاحة والطاقةوجعلت أمن الخليج والبحر الأحمر والشرق الأوسط مترابطا بصورة أكبر. كما أن تصاعد أهمية الفاعلين المسلحين جعل الدولة نفسها موضع مقيدة من الداخل بقررات القوى المتعددة
وهنا يظهر نقد آخر للحكم في العالم الإسلامي ذلك ان كثير من النخب السياسية تتعامل مع الجغرافيا كحدود مقيدة للحركة بينما تتعامل القوى الكبرى معها كمجال للحركة.
فالدولة ترى حدودها الوطنية بينما القوة الكبرى ترى الممر الذي يبدأ من الخليج وينتهي بالبحر المتوسط أو الطريق الذي يصل آسيا بأوروبا أو السلسلة البحرية التي تتحكم في التجارة والطاقة هو مجالها التي ترى فيه أمنها ومصالحها وقرارها وسيادتها.
ولهذا فإن العالم الإسلامي، رغم امتلاكه مواقع استراتيجية استثنائية لا يزال يعاني من غياب تصور جيوسياسي جامع يحول الجغرافيا إلى مجال يتجاوز القيود ويملأ الفراغ الذي تركته طبيعة الدولة المجزأة وساهمت بحكم تشكيلها في اتساع الفراغ الذي ملأته القوى الكبرى.
حتى القضية الفلسطينية تكشف هذه المعضلة. فالحضور السياسي والأخلاقي للقضية في الخطابات الإسلامية كبير و لكن القدرة على فرض مسار سياسي مواز ما زالت محدودة وفي المقابل تظهر بعض القوى الإقليمية أكثر قدرة على تحويل القضية إلى أداة استراتيجية في صراع النفوذ.
وقد ظهر ذلك بوضوح في الخطاب التركي الأخير، الذي جمع بين فلسطين وانتقاد بنية النظام الدولي والمطالبة بإصلاح مجلس الأمن.
إن المشكلة إذن ليست أن حكام العالم الإسلامي لا يعرفون حجم التحديات وإنما لأنهم يتحدثون عن عالم إسلامي موحد بينما يمارسون السياسة كدول منفردة.
وهذه الفجوة هي أخطر ما تكشفه الخطابات.
فالسيادة من دون قوة تتحول إلى مطالبة والوحدة من دون مؤسسة تتحول إلى خطاب والاستقلال من دون اقتصاد وتكنولوجيا وأمن ذاتي يتحول إلى أمنية والقوة العسكرية من دون مشروع سياسي تتحول إلى أداة ردع مؤقتة والثروة من دون رؤية جيوسياسية تتحول إلى مورد تستفيد منه القوى الأكثر تنظيما.
وتوحي المؤشرات الحالية بأن العالم الإسلامي سيدخل مرحلة لن يكون فيها كافيا أن تختار الدولة بين الشرق والغرب أو بين حليف إقليمي وآخر.
إن المطلوب سيكون بناء هامش حركة مستقل داخل نظام دولي متعدد القوى مع شروط إعادة النظر في الجغرافيا الوطنية للدولة بحيث يسمح مثلا بتوحيد مصر والسودان لمواجهة التفكك والتفتيت وسوريا مع لبنان والاردن والعراق ودول الجزيرة مع الصومال وجيبوتي في إقليم واحد والمغرب الكبير بحيث تتشكل مقومات الدولة المكتفية ذاتيا تمهيدا لتأسيس بنية خضارية.
ومن هنا فإن النقد للحكم في العالم الإسلامي لا يتعلق فقط بالديمقراطية أو الاستبداد أو الاقتصاد أو التحالفات الخارجية منفردة وإنما يتعلق بالعجز عن بناء الدولة الجيوسياسية.
فالدولة التي تعرف وزنها السكاني والاقتصادي والعسكري وتفهم موقعها البحري والبري وتبني تحالفاتها وفق مصالح طويلة المدى وتملك في الداخل شرعية تسمح لها باتخاذ قرارات استراتيجية من دون خوف دائم من الانقسام.
إذا لم يحدث هذا التحول فستبقى خطابات الحكام قوية في اللغة و لكنها أضعف في تحويل الجغرافيا إلى سياسة.
أما إذا حدث فقد تنتقل المنطقة من مرحلة التكيف مع النظام الدولي إلى مرحلة المشاركة في إعادة تشكيله.
وهذه في النهاية هي المعركة الحقيقية التي تكشفها خطابات العالم الإسلامي.
إن المعركة ليست معركة الكلمات في قاعة الأمم المتحدة وإنما هب معركة من يملك القدرة على تحويل الجغرافيا إلى بنية حضارية.