ونحن اليوم على أعتاب الاحتفال بالذكرى العظيمة لثورة 26 سبتمبر الخالدة تقف الذاكرة الوطنية إجلالاً أمام تلك اللحظة الفاصلة في تاريخ الجمهورية العربية اليمنية لم تكن تلك الثورة مجرد حدث في شريط التاريخ بل كانت زلزالاً جرف أعتى أنظمة الكهنوت وجسر عبور شيده الأحرار بدمائهم لتنتقل الجمهورية العربية اليمنية من ظلمات العزلة والعبودية الإمامية إلى أنوار الجمهورية والكرامة . كانت صرخة شعب أضناه الجهل والفقر ورفضاً قاطعاً لسلالية طائفية صودرت باسمها إنسانية اليمني لصالح الحاكم بأمر الله .
غير أن المأساة التي يكتوي بنارها اليمنيون اليوم لا تكمن في نبل الغاية التي أريق لأجلها دم الثوار بل في الخيانة العظمى التي تعرضت لها هذه الثورة .
إن المرارة الحقيقية تتمثل في أولئك الأنذال الذين خانوا أمانة التاريخ وسلّموا مقدرات الدولة ومؤسساتها وسلاحها الثقيل على طبق من ذهب لجماعة الحوثي التلميذ النجيب والسليل الفكري للإمامة التي اقتلعها الأحرار من جذورها واصبحوا اليوم ينظرون ويتكلمون عن الوطن والوطنية من فنادق الخارج .
لقد شهد العالم كيف انهارت عقود من التضحيات لا بفعل قوة الخصم بل بنذالة وقصر نظر نخب وسياسيين ارتهنوا لمصالحهم الضيقة وتخلوا عن واجبهم الوطني في لحظة فارقة إن تسليم العاصمة وسلاح الجيش العائد للجمهورية إلى مليشيا عقائدية لم يكن مجرد انكسار عسكري بل كان طعنة غادرة في قلب سبتمبر وإعادة قسرية لليمن إلى مربع الظلامية الإمامية بصورة أشد بطشاً ودموية .
إن السلاح الذي شُري ليدافع عن سيادة الشعب أصبح بفضل هذه الخيانة أداة لتركيع أبنائه والدستور الذي كفل المواطنة المتساوية دهسته أقدام المشرفين السلاليين .
لقد أعادت المليشيا الحوثية إنتاج كل مساوئ العهد المباد من طبقية وتجهيل ومسخ للهوية الوطنية في محاولة خائبة لإماتة روح سبتمبر وإطفاء جذوتها .
واليوم، وأنت ترقب المهزلة الكبرى يتملكك الذهول وتتوارى الكلمات أمام وقاحة المشهد لا أدري كيف تستريح ضمائر أولئك الذين يتداعون للاحتفال بسبتمبر من الشاشات وقاعات الفنادق المذهبة في الخارج وهم أنفسهم الذين عرضوا هذه الثورة في سوق النخاسة وسلّموا مفاتيحها للكهنوت أي انفصام هذا الذي يمارسه تجار الأوطان حين يرتدون مسوح النضال بينما تلطخ أيديهم خيانة الدماء والتضحيات ؟ قد يملكون رفاهية الهرب ووقاحة الادعاء وقد يحوز الحوثي السلاح النهيب بفضل خياناتهم لكن سبتمبر لن يكون يوماً مطية للخونة ولا ملكاً للغاصبين ومع ذلك يعلمنا التاريخ أن الثورات الكبرى قد تُهان أو تُسلَم للخصوم بفعل خيانة الخونة لكن روحها لا تموت في أرواح الشعوب قد يملك الحوثي السلاح النهيب والمؤسسات المغتصبة بفضل من سلّموه لكنه لن يملك أبداً شرعية البقاء ولا قلوب اليمنيين . ستظل ثورة 26 سبتمبر دَيناً في أعناق الأحرار وفكرة عصية على الموت حتى استعادة الدولة ودفن مشروع الإمامة المعدل إلى غير رجعة .