آخر تحديث :الأربعاء-07 أكتوبر 2026-02:05ص

الحوثي... مشروع موت يستهدف الإنسان قبل الدولة...

الأربعاء - 23 سبتمبر 2026 - الساعة 05:21 م
د. سعيد سالم الحرباجي


لا تكمن خطورة المشروع الحوثي في أنه استولى على مؤسسات الدولة بقوة السلاح فحسب، ولا في أنه أطال أمد الحرب وأثقل اليمنيين بالفقر والنزوح والدمار....


وإنما الأخطر من كل ذلك أنه يسعى إلى إعادة تشكيل الإنسان اليمني نفسه وفق منظومة فكرية وسياسية أحادية....

تمتد من العقيدة إلى المدرسة، ومن الثقافة إلى السياسة، ومن الحياة العامة إلى تفاصيل المجتمع !!!

وهنا تكمن الكارثة الحقيقية.


فحين يتحول الخلاف السياسي إلى مشروع لإعادة صياغة العقيدة ....يصبح الأمر أكبر من صراع على السلطة.

وحين تُستدعى الخلافات التاريخية والمذهبية إلى حاضر المجتمع، وتُقدَّم رواية واحدة باعتبارها الحقيقة المطلقة.....

فإن النتيجة الطبيعية هي تمزيق الوعي الجمعي وتحويل الاختلاف إلى خصومة دائمة.


ومن أكثر القضايا حساسية في هذا السياق ما يتعلق بموقف الخطاب الطائفي من رموز الإسلام الأوائل، وما يثار من إساءات إلى الصحابة وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، أو اختزال تاريخ المسلمين وخلافاتهم في ثنائية «البطنين» والنسب والحق الحصري في السلطة.


وهذه أفكار يرى قطاع واسع من اليمنيين أنها تتعارض مع الموروث الديني الذي تشكل عليه المجتمع اليمني عبر قرون، ولا تنسجم مع مفهوم المواطنة المتساوية ولا مع طبيعة المجتمع اليمني المتنوع.


إن استدعاء مثل هذه القضايا إلى المجال السياسي ليس مجرد خلاف في قراءة التاريخ... فحين تتحول الرواية المذهبية إلى أداة تعبئة سياسية، يصبح التاريخ وقودًا للحاضر، وتتحول الخلافات القديمة إلى جدران جديدة بين أبناء الوطن الواحد.


ثم بعد التعدي على عقيدة اليمنيين.....

تأتي ( المدرسة ) وهنا يبلغ الخطر مداه.

فالمدرسة ليست ثكنة أيديولوجية، ولا منصة لتلقين الأطفال الولاء لجماعة سياسية...

إنها المكان الذي يتعلم فيه الطفل كيف يفكر، لا ماذا يكره؛ وكيف يختلف، لا كيف يقصي الآخر.


لكن تقارير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة وثقت تغييرات في المناهج الدراسية بالمناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وقالت إن بعض المضامين الجديدة تعكس الأيديولوجيا والآراء السياسية للحوثيين، وحذرت من أن آثار الدعاية والمعلومات المضللة يمكن أن تلحق أضرارًا بعيدة المدى بالأجيال المقبلة.


وفي تقرير لاحق وثق الفريق استمرار تغيير المناهج، وفرض الفصل، واستخدام ما يسمى بالمخيمات الصيفية للترويج للكراهية والعنف والتمييز، فضلًا عن أنشطة تعبئة وتجنيد للأطفال.


وهنا ينبغي أن يدق اليمنيون ناقوس الخطر:

الجبهة الأخطر ليست دائمًا تلك التي تُسمع فيها أصوات البنادق...

فقد تكون الجبهة الأخطر هي تلك التي يدخل فيها الفكر إلى عقل الطفل دون أن يشعر.


فالطفل الذي يتعلم أن الوطن هو الجماعة، وأن المختلف خصم، وأن التاريخ ملك لفريق دون غيره، وأن الولاء السياسي معيار التدين والوطنية، لن يكون غدًا مواطنًا حرًا قادرًا على بناء دولة؛ بل سيكون امتدادًا لصراع يريد أن يظل حيًا عبر الأجيال.


وهذا أخطر ما في المشروع: أنه لا يريد السيطرة على الأرض فقط، بل يريد السيطرة على الوعي الذي سيعيش فوقها.


أما الحياة العامة : فقد أصابها المشروع في صميمها؛ إذ لم يعد الانقسام مجرد خلاف سياسي، بل امتد إلى مؤسسات الدولة والتعليم والإعلام والاقتصاد والمجتمع، حتى أصبحت فكرة الدولة الوطنية نفسها موضع صراع مع مشروع الجماعة.


والمجتمع الذي تُقاس فيه قيمة الإنسان بمدى قربه من الجماعة، لا يمكن أن ينتج دولة عادلة. والاقتصاد الذي يُدار في ظل الحرب والانقسام والجباية، لا يمكن أن يصنع تنمية ، والتعليم الذي يُحمّل الطفل صراعات الكبار، لا يمكن أن يبني مستقبلًا آمنًا.


ولهذا فإن مواجهة المشروع الحوثي لا ينبغي أن تكون عسكرية وسياسية فقط؛ بل ينبغي أن تكون أيضًا معركة وعي وثقافة وتعليم.

معركة تستعيد المدرسة اليمنية من التجاذب السياسي.

وتعيد للتعليم وظيفته في بناء العقل لا تعبئة المقاتل.

وتعيد للثقافة دورها في جمع اليمنيين لا تقسيمهم.

وتحمي العقيدة من أن تتحول إلى أداة صراع سياسي.

وتعيد الاعتبار للدولة باعتبارها ملكًا لجميع المواطنين، لا امتدادًا لجماعة أو سلالة أو مشروع عابر للحدود.


إن اليمنيين ليسوا بحاجة إلى استيراد صراعات التاريخ وإعادة زرعها في حاضرهم...

اليمن وطنٌ أقدم من الجماعات، وأبقى من المشاريع، وأوسع من الطوائف.


ومن هنا : فإن أي مشروع يريد أن يعيش في اليمن لا بد أن يحترم هوية اليمنيين وتنوعهم، ويقبل بالدولة والمواطنة والشراكة.

أما المشروع الذي يريد إعادة تشكيل المجتمع بالقوة، واحتكار الحقيقة، وتوريث الأجيال خطاب الصراع والكراهية....


فقد يستطيع أن يفرض سلطته على الأرض فترة من الزمن، لكنه لن يستطيع أن يحوّل القهر إلى قناعة، ولا الحرب إلى حياة.

فالموت قد يفرض نفسه بالسلاح، لكن الحياة لا تُبنى إلا بالإنسان؛ والإنسان اليمني مهما طال ليل الحرب، سيظل يبحث عن وطن يتسع له ولغيره، لا عن جماعة تضيق بالجميع.