آخر تحديث :الإثنين-12 أكتوبر 2026-02:40ص

ماذا لو سيطر الحوثيون على اليمن وأقاموا دولتهم؟كيف سيكون المشهد وما هي النتائج الحتمية.

الأربعاء - 23 سبتمبر 2026 - الساعة 11:38 ص
نصيب محمد الحارثي


تخيّلوا اليمن وقد انتهى الصراع، وسيطرت جماعة الحوثي على كامل البلاد، وأصبحت هي السلطة الحاكمة بكل مؤسساتها وأجهزتها السؤال هنا ليس عن شكل الراية التي سترفع فوق المباني الحكومية، بل عن شكل الحياة التي سيعيشها المواطن اليمني في ظل هذا التحول الكبير.

سياسياً، سيصبح السؤال الأهم ،كيف ستُبنى مؤسسات الدولة؟ هل ستكون مؤسسات وطنية تقوم على الكفاءة والمواطنة المتساوية، أم ستغلب عليها الاعتبارات السلالية والعقائدية والولاءات الخاصة بالجماعة؟ وإذا أصبح موظف الدولة الكبير تابعاً لقيادة سياسية أو دينية، فماذا سيبقى من استقلال المؤسسات ومن مبدأ تكافؤ الفرص بين اليمنيين؟ وفي الجيش والأمن والاستخبارات، سيكون التحدي أكبر فالدولة الحديثة تحتاج إلى مؤسسات وطنية تخضع للقانون، لا إلى تشكيلات تحمل ولاءات طائفية أو عقائدية بأيديلوجية مختلفة على طبيعة المجتمع وإذا أصبحت الوظائف الأمنية والعسكرية مرتبطة بالولاء للجماعة قبل الكفاءة المهنية، فإن المواطن العادي قد يجد نفسه بعيداً عن مواقع القرار، حتى وإن كان أكثر تأهيلاً من غيره.

أما اقتصادياً، فالمشهد سيكون شديد الصعوبة إذا استمرت العقوبات والعزلة الدولية وتراجعت قدرة الدولة على تصدير النفط والغاز وجذب الاستثمارات، عندها قد تتعرض العملة،لمزيد من الانخفاض، وترتفع أسعار الغذاء والوقود والدواء، ويصبح الراتب الحكومي إن وُجد عاجزاً عن مواكبة تكاليف الحياة وحينها لن يكون المواطن مشغولاً بالسياسة فقط، بل بالسؤال البسيط ،كيف سأطعم أسرتي غداً؟

والاقتصاد لا يعيش وحده إذا اتسعت الجبايات غير الرسمية، وأصبحت المحلات والشركات مطالبة بدفع أموال متعددة كما هو حاصل اليوم تحت مسميات مختلفة، وطقوس زائفة فإن التاجر الصغير سيكون أول من يدفع الثمن قد يفتح متجره صباحاً وهو لا يعرف كم جهة ستطالبه بالدفع قبل نهاية اليوم،بشعارات كاذبة ومبررات واهية تحت عنوان المولد النبوي ويوم الشهيد ويوم الغدير وكربلاء وغيرها.

أما علاقة اليمن بمحيطها العربي والدولي، فستكون عاملاً حاسماً فاليمن بلد مرتبط اقتصادياً واجتماعياً بدول الخليج، وملايين اليمنيين يعتمدون على فرص العمل والتحويلات القادمة من الخارج وأي توتر طويل الأمد مع دول الجوار أو المجتمع الدولي قد ينعكس مباشرة على حركة العمالة والتحويلات والتجارة والسفر، وهو ما قد يضع آلاف الأسر أمام أزمة معيشية قاسية وقد تستخدم تلك الدول ورقة الترحيل الشبه كامل خوفاً على أمنها القومي من تبعات العمالة وهذا مايزيد الوضع سوءاً إذا أكثر من اربعة ملايين يمني يعيشون على أرض المملكة العربية السعودية فكم حجم وهول الكارثة الاقتصادية بهذا المر إن حدث.

وفي التعليم، سيكون السؤال هل ستبقى المدرسة والجامعة مؤسستين للتعليم والمعرفة والبحث العلمي، أم تتحول المناهج إلى أدوات وملازم أصحاب الكهف لإعادة إنتاجها بتلك الأيديولوجية الدخيلة على المجتمع اليمني كما هو حاصل اليوم في مناطق سيطرة جماعة الحوثي؟ فالأمم لا تنهض بتلقين الأطفال سردية سياسية واحدة، وإنما بتعليمهم العلوم والتكنولوجيا واللغات والتاريخ والفكر النقدي، وفتح أبواب المعرفة أمامهم ،وفي الصحة، لا يمكن لأي دولة أن تعيش على الشعارات والشعوذة والمقذي، فالمواطن يحتاج مستشفى وطبيباً ودواءً ومختبراً وعمليات جراحية، وليس مجرد مواعظ أو وصفات شعبية أو يتفل عليك ويهمهم ويبخرك ،وهكذاحين تضعف الدولة الصحية، يصبح المرض نفسه مشروعاً إضافياً للفقر.

أما الحريات العامة، فهنا يبرز سؤال آخر هل سيكون المواطن قادراً على انتقاد الحكومة والصحافة والسلطة؟ هل ستوجد صحف مستقلة وأحزاب سياسية ومنظمات مجتمع مدني؟ هل يستطيع المواطن أن يكتب رأيه على مواقع التواصل الاجتماعي دون أن يخشى أن تتحول كلمة أو إعجاب أو مشاركة إلى سبب للمساءلة؟ مثلاً انت داعشي ومع العطوان السعوامريكي وانت خاين وضد المسير القرآنية،وقد يصبح المشهد اليومي أكثر غرابة إذا تحولت السياسة إلى طقوس خرافية دائمة ومظاهرات وشعارات واتهامات للخارج، بينما المواطن يبحث عن الكهرباء والماء والراتب والوقود والدواء فالدولة لا تُقاس بعدد الشعارات التي ترفعها في الساحات، وإنما بما تقدمه لمواطنيها من أمن وخدمات وعدالة وفرص عمل.

وهنا نصل إلى المفارقة الأكبر في مفهوم (التحرير) عندما يقول مقاتل إنه يريد تحرير مأرب أو تعز أو عدن أو غيرها من أبناء اليمن، فمن حق المواطن أن يسأل تحريرها إلى ماذا ومن ماذا؟ هل التحرير يعني دولة أفضل؟ راتباً منتظماً؟ كهرباء وماء وطرقاً ومستشفيات وجامعات؟ اقتصاداً مفتوحاً وفرص عمل؟ قضاءً مستقلاً؟ أم أن المقصود هو نقل السكان من واقعهم الحالي إلى واقع آخر لا يعرفون كيف سيكون؟ فالناس لا تقيس الدول بالخطب، والشعارات الزائفة والخرافات الواقعية وإنما بما تراه في حياتها اليومية، المواطن الذي يريد راتبه، والكهرباء في منزله، والماء في حيه، والدواء في المستشفى، والوقود بسعر يستطيع تحمله، والتعليم الجيد لأطفاله، وحرية التعبير والأمان على أسرته ،لن تعنيه كثيراً الشعارات إذا لم تتحول إلى حياة أفضل.