بسم الله العزيز الغفار، وبذكره تنجلي الأكدار، والصلوات الطيبات الزاكيات، على النبي المصطفى وآله وصحبه أولي المَكرمات، أما بعد؛فإن أوراق جواز بلدي هي هويتي الحتميّة، وجذور مجدي الأزلية، لَكن هذا الغلاف الرفيع، بلونه الأخضر البديع، هو محبتي الاختيارية، وبطاقة وفائي الوجدانية، لبلاد سكنت جوارحي، وأضاءت بنورها مطامحي، بلاد شنقيط الغرّاء، موطن العلم والعلماء.
لقد عشت في رحابهم أوقاتاً مجيدة، وعاينت من مآثرهم خصالاً فريدة، فهم أهل الحفظ الحاضر، والذكاء النادر، صانوا شريعة المختار، وسيّروا المعارف في القفار، وحموا لغة الضاد من الشوائب،فأبهروا بفصاحتهم كل الأجانب، فصغيرهم قبل البلوغ خطيب مهاب، وكبيرهم مرجع الفتوى وفصل الخطاب.
موريتانيا ليست في قاموسي ممرّاً عابراً في محطات العمر، بل هي قصة وفاء كُتبت بأحرف من التِّبر.
عرفت فيهم رجالاً كالتيجان فضلاً، وعلماء يفيضون بالبيان نُبلاً.
بيوتهم مشرعة للغريب، وموائدهم ممدودة تُبهج النفوس وتطيب، يعطون بكرم حاتمي،ونسب حميريّ أو هاشميّ،يغيثون الملهوف، ويجبرون المكسوف، ويمشون في حاجة الضعيف والمستجير، بلا منٍّ ولا تقصير.
وحين رأيت هذا النبل الذي فاق السحاب، وعاينت وقار الشيوخ العظام ونخوة الشباب الكرام، عاهدت نفسي أن أحمل علمهم أينما ذهبت، وأن أرد جميلهم بما حييت، فصار غلاف جوازي رداءً لهذا الوفاء، وشعاراً يترجم محبتي للأشقاء.
فإذا استوقفني حارس أو مسؤول، وقال بلسان العتاب والفضول:
كيف تحمل هذا العلم في هذه الجولة، وجوازك ينتمي لغير هذه الدولة؟
واجهته بمنطق صواب، وقول يفصل الخطاب:
الورق في الداخل يثبت أصلي ونسبي، والعَلَم في الخارج يترجم وفائي وأدبي، فالأصل في حنايا الدم مصون، وموريتانيا في سواد العين والجفون؛وإن هذا الغلاف ليس جحوداً للمهد، بل هو وفاء بالعهد، واعتراف بفضل أهل الفضل والمنة، الذين جعلوا الغربة كأنها جنة، وسأظل أحمل أوراق جواز بلدي بهذا الرداء الشنقيطي الماجد، معلناً للكون أن القلوب الصادقة لا تحدها خطوط الخرائط، ولا تحجبها حواجز الوسائط.
فسلامي على الشناقطة الأماجد، ما سجد ساجد، وركع راكع في المساجد، وسلامي على رياض العِلم ومَجمعها، حيث طاب لي النهل في تنجغماجك ومربعها، ورأيت الفصاحة في النباغية ومنبعها، وبددت الجهل في التنويش المعمورة، وختمت بالخير في محضرة الفاروق المبرورة، وسلامي على الختام والذروة الساطعة، في محضرة أم القرى الجامعة، فسلامي على تلك العهود والديار، ما تلاحمت الأوطان وشعّت الأنوار.