آخر تحديث :الأربعاء-23 سبتمبر 2026-01:22ص

المعلم في حضرموت.. حين يصبح مستقبل وطن رهينة راتب!

الثلاثاء - 22 سبتمبر 2026 - الساعة 12:59 م
م. صالح بن سعيد المرزم


قبل أيام، وتحديدًا في 8 سبتمبر 2026، كتبت مقالًا بعنوان:


«حضرموت.. حين يصبح حقها منّة وراتب معلمها رهينة الـ20%!»


وكانت مناسبة المقال تصريح محافظ حضرموت الأستاذ سالم الخنبشي، حين ربط صرف رواتب المعلمين بالحصول على نسبة الـ20% من حصة حضرموت.


يومها تناولت الأمر بشيء من السخرية، وختمت بسؤال:


«يا عم سالم… طمّنا بس: وصلت الجمعية ولا باقي؟!»


كانت العبارة ساخرة، لكن القضية نفسها لم تعد تحتمل السخرية.


فنحن عندما نتحدث عن المعلم لا نتحدث عن موظف ينتظر راتبه آخر الشهر، بل عن الإنسان الذي بين يديه مستقبل حضرموت.


ومن هنا تتحول القضية من راتب متأخر إلى قضية مستقبل وطن.


من يحرس مستقبل حضرموت؟


يمكن تأجيل طريق أو مبنى أو مشروع.


ويمكن إصلاح كثير من أخطاء الإدارة لاحقًا.


لكن هناك شيئًا إذا انهار فإن إعادة بنائه تحتاج إلى جيل كامل:


التعليم.


والتعليم لا يبدأ بالمبنى ولا بالسبورة ولا بالمنهج.


بل يبدأ بالمعلم.


ولهذا فإن أول الأسئلة التي ينبغي أن تشغل أي محافظ هي:


كيف يعيش المعلم؟


وهل راتبه يكفي أسرته؟


وهل يستطيع دخول فصله بكرامة، أم يدخل وهو مشغول بالدَّين والإيجار ومصاريف بيته؟


وهل يتفرغ لتعليم أبنائنا، أم يضطر بعد انتهاء الدوام للبحث عن عمل آخر يستطيع منه إعالة أسرته؟


هذه ليست أسئلة معيشية هامشية.


إنها أسئلة تتعلق بمستقبل حضرموت نفسه.


عندما يُكرم المعلم تنهض الأمم


انظروا إلى تجارب الدول التي نهضت.


ومن أبرز الأمثلة اليابان.


لم تصبح اليابان قوة صناعية وتقنية وبحثية لأنها امتلكت النفط أو الثروات الطبيعية الهائلة، وإنما لأنها جعلت بناء الإنسان والتعليم والمعرفة في صميم مشروعها الوطني.


وأصبح المعلم جزءًا أساسيًا من هذه المنظومة؛ بالتأهيل المستمر، والمكانة المهنية، والانضباط، وتحمل مسؤولية صناعة أجيال قادرة على المنافسة.


والنتيجة أمام العالم:


صناعة، وتقنية، وجامعات، وبحث علمي، وابتكار، واقتصاد من أكبر اقتصادات العالم.


وهذه هي المعادلة التي ينبغي أن نفهمها:


عندما تكرم المعلم، فأنت لا تكرم فردًا؛ أنت تستثمر في جيل.

وعندما تهين المعلم، فأنت لا تظلم موظفًا؛ أنت تهدد مستقبل جيل.


وحضرموت أحوج ما تكون إلى فهم هذه الحقيقة.


قبل النفط.. الإنسان


نتحدث كثيرًا عن نفط حضرموت، وموانئها وثروتها السمكية وموقعها وأراضيها ومستقبلها الاقتصادي والسياسي.


لكن هناك ثروة أهم من كل ذلك:


الإنسان الحضرمي.


فالنفط قد ينضب.


والأسعار تتغير.


والموارد الطبيعية قد تُستنزف.


أما الاستثمار في عقل الإنسان فهو الثروة التي تتضاعف كلما أنفقت عليها.


ومن يصنع هذا الإنسان؟


المعلم.


لذلك فإن محافظة تمتلك الثروة ولا تستطيع أن تحفظ كرامة معلمها لا تعاني فقط من مشكلة مالية، بل من خلل في ترتيب الأولويات.


ماذا نريد من المعلم؟


نطلب منه أن يحضر.


وأن يصبر.


وأن يؤدي رسالته.


وأن يتحمل ضعف الإمكانات وازدحام الفصول والظروف الاقتصادية.


ثم عندما يطالب بحقه نقول له:


انتظر.


نطالب.


نتابع.


هناك إجراءات.


هناك حكومة.


وهناك نسبة.


وهناك 20%!


ثم نقول له:


مصلحة الطلاب فوق الجميع!


بالتأكيد مصلحة الطلاب فوق الجميع.


لكن من قال إن مصلحة الطالب منفصلة عن كرامة معلمه؟


كيف نحمي مستقبل الطالب ونحن نستنزف الإنسان الذي يصنع هذا المستقبل؟


والسؤال للمحافظ الخنبشي


يا عم سالم،


هذه المرة لن أسألك:


وصلت الـ20% أم لم تصل؟


فهذا السؤال أخذ نصيبه من السخرية في المقال السابق.


السؤال اليوم أكبر:


ما مشروعك للتعليم في حضرموت؟


ليس لهذا الشهر، ولا لهذا العام الدراسي، وإنما:


أين تريد أن يكون الطالب الحضرمي بعد عشر سنوات؟


وما مستوى المعلم الذي سيصنع ذلك الطالب؟


وكيف ستعيد لمهنة التعليم مكانتها؟


وكيف ستجعل أفضل شباب حضرموت يرون التعليم مهنة تستحق أن ينتموا إليها؟


وكيف ستدخل العلوم والتقنية والذكاء الاصطناعي واللغة الإنجليزية والبحث والابتكار إلى مدارسنا؟


هذه الأسئلة أهم من سؤال الـ20%.


لو كنت محافظًا لحضرموت


لجعلت التعليم المشروع الأول للمحافظة.


ولبدأت بالمعلم قبل المبنى.


ولوضعت برنامجًا واضحًا لتحسين دخله وتأهيله وتدريبه.


ولربطت المدارس والجامعات باحتياجات سوق العمل.


ولجعلت العلوم والتقنية والذكاء الاصطناعي واللغات جزءًا من مشروع حضرموت للمستقبل.


ولقلت لرجال الأعمال الحضارم في الداخل والمهجر:


إذا أردتم بناء حضرموت، فابدؤوا من المدرسة.


فلا نريد أبناءنا أن يتعلموا لمجرد الحصول على شهادة.


نريد جيلًا قادرًا على إدارة حضرموت نفسها:


نفطها، وموانئها، ومياهها، وزراعتها، ومستشفياتها، وشركاتها، وتقنيتها واقتصادها.


وقبل كل ذلك:


إدارة قرارها ومستقبلها.


المسألة ليست راتب معلم


من السخرية أن تكون أرض بهذه الثروة والتاريخ والطاقات عاجزة عن جعل معلمها يعيش بكرامة.


ومن السخرية أن نتحدث عن التنمية بينما أساس التنمية ينتظر راتبه.


ومن السخرية أن نتحدث عن مستقبل حضرموت، بينما الرجل الذي يصنع ذلك المستقبل مشغول بكيف سيطعم أبناءه آخر الشهر.


ومن السخرية الأكبر أن تصبح حقوق المعلم مرتبطة بنسبة تأتي أو لا تأتي.


لذلك أقول بعد مقال الـ20%:


لا تجعلوا المعلم ينتظر الـ20%.


ولا حتى الـ100%.


ضعوا التعليم أولًا، ثم رتبوا بقية النسب بعده.


فالمحافظ لا ينبغي أن يُذكر فقط بعدد الطرق والمباني والمشاريع التي افتتحها.


هناك إرث أكبر.


إذا أراد المحافظ الخنبشي أن يترك لحضرموت مشروعًا يتذكره الناس بعد سنوات، فليجعل ذلك المشروع:


المعلم.


يرفع مكانته.


ويحفظ كرامته.


ويعيد للمدرسة قيمتها.


ويبني مشروعًا للتعليم لا يعيش من أزمة إلى أزمة، بل يصنع جيلًا جديدًا من الحضارم.


وعندها لن نسأل:


هل وصلت الـ20%؟


بل سنسأل السؤال الذي يليق بحضرموت:


إلى أين نستطيع أن نصل بـ100% من طاقات أبنائنا؟