ما يحدث اليوم في جبهات الصبيحة يكتب صفحة جديدة من تاريخ هذه الأرض. فحين حاول الحوثيون التقدم، وجدوا أمامهم رجالًا لم يتراجعوا، وقبائل لم تتفرق، ومقاتلين يعرفون أن الدفاع عن الأرض والأهل ليس خيارًا مؤجلًا، بل واجبًا حاضرًا. ومن باب المندب وكهبوب إلى المحاولة والأغبرة والمناطق المتاخمة للوازعية، تتجسد اليوم صورة الصبيحة التي عرفها الناس في الشدائد: رجال يتقدمون عندما تشتد المواجهة، ويتكاتفون عندما تحين ساعة الخطر.
وفي جبهات القتال من كهبوب والمضاربة والأغبرة والمنصورة والخزام والمحاولة وغيرها من مواقع المواجهة، تم التصدي لهجمات الحوثيين، وتلقى غزاة مران درسًا جديدًا من رجال الصبيحة الذين وقفوا في مواقعهم بثبات، وتكاتفت قبائلهم مع القوات المرابطة، فأُفشلت محاولات التقدم والاختراق. وهذه هي الصبيحة التي نعرفها؛ كلما اشتدت المعركة ازداد رجالها ثباتًا، وكلما ظن الخصم أن الطريق أصبح مفتوحًا وجد أمامه رجالًا يعرفون معنى الأرض والكرامة.
وفي هذه اللحظة، يبرز التكاتف الصبيحي بصورة تستحق الإشادة؛ فلا فرق في الميدان بين مسؤول ومواطن، ولا بين شيخ ومعلم وجندي. عندما تنادي الأرض أبناءها، تسقط المسميات وتبقى الهوية والموقف. فالكل يقف إلى جانب أهله، والكل يشعر أن الدفاع عن الأرض مسؤولية مشتركة لا يحتكرها منصب ولا تختص بها قبيلة.
وفي هذا الموقف، لا بد من كلمة وفاء وشكر لقوات درع الوطن والعمالقة، ولكل الضباط والجنود، ولكل الوطنيين والغيورين الذين جاءوا من مختلف المحافظات للوقوف إلى جانب إخوانهم في جبهات القتال. لقد أثبت هؤلاء أن المواقف الوطنية لا تُقاس بالمناطق والانتماءات، وإنما بما يقدمه الرجال عندما يحتاج إليهم وطنهم وإخوانهم. كل التحية لكل من حمل السلاح، ولكل من ترك أهله ومكانه وجاء مساندًا لإخوانه في هذه الجبهة.
ويبقى حضور الفريق الركن محمود أحمد سالم الصبيحي واحدًا من أكثر المشاهد دلالة في هذه اللحظة. فبعد رحلة العلاج والعملية الجراحية التي خضع لها في الرياض، عاد إلى الميدان وظهر بين المرابطين في جبهتي باب المندب وطور الباحة، متابعًا أوضاع المقاتلين والجاهزية. وهنا تُعرف القيادة الحقيقية: أن يكون القائد قريبًا من رجاله عندما تشتد الخطوب، وأن يشعر المقاتل أن من يتقدم الصفوف معه لا يطلب منه ما لا يفعله بنفسه. حضور الصبيحي بين رجاله لم يكن مجرد حضور بروتوكولي، بل حمل رسالة معنوية واضحة لأبناء الصبيحة: أن الرجل الذي ارتبط اسمه بالجيش والميدان لا يبتعد عن أرضه عندما تكون في حاجة إلى أبنائها.
والصبيحة اليوم لا تدافع عن موقع واحد، بل تقف على امتداد جبهة واسعة وحساسة من باب المندب وكهبوب، مرورًا بالمحاولة والأغبرة، وصولًا إلى المضاربة ورأس العارة والمناطق المتاخمة للوازعية. وهي تدفع من رجالها وتضحياتها ثمنًا غاليًا في سبيل حماية الأرض والأهل، وتثبت مرة أخرى أن هذه المنطقة لا تُعرف فقط برجالها في أوقات الرخاء، وإنما تُعرف أكثر عندما تشتد المحن.
ومن هنا، فإن التحية لا تذهب إلى مقاتل واحد أو قبيلة واحدة، بل إلى كل صبيحي ثابت في موقعه، وكل قبيلة وقفت مع رجالها، وكل جندي من درع الوطن والعمالقة، وكل وطني غيور جاء من محافظة أخرى ليقف إلى جانب إخوانه.
رحم الله الشهداء، وشفى الجرحى، وحفظ رجال الصبيحة وكل المرابطين في هذه الجبهات.