لم يكن الحادي والعشرون من سبتمبر 2014م مجرد يومٍ تبدلت فيه خرائط القوة في صنعاء، بل كان يومًا بدأت فيه اليمن تدخل بثقلها الفقير ودمها الغزير مرحلةً جديدة من تاريخها....
مرحلةٌ صار فيها الوطن ساحةً مفتوحة، والدولة غنيمةً، والمواطن وقودًا، والسيادة شعارًا يزداد ارتفاعًا كلما انخفض سقف الحياة فوق رؤوس اليمنيين.
دخل الحوثيون صنعاء بشعارات تبدو في ظاهرها يمنية خالصة:
إسقاط الجرعة، مكافحة الفساد، مواجهة الفقر، واستعادة القرار الوطني.
لكن السنوات التالية طرحت سؤالًا أكثر قسوة من كل الشعارات:
إذا كان المشروع لتحرير القرار اليمني، فلماذا انتهى القرار اليمني إلى مزيد من الارتهان للخارج؟
وهنا تبلغ المفارقة السياسية ذروتها:
جماعةٌ تقول إنها تحارب التدخل الخارجي، لكنها تقاتل بأسلحة الخارج، وتتحرك ضمن شبكة صراعات الخارج، وتدفع اليمن إلى مواجهة نتائج صراع لا يملك اليمني قرار بدايته ولا نهايته.
وهكذا صار اليمن شيئًا فشيئًا أشبه بساحةٍ يُختبر فوقها ميزان القوى الإقليمي..
كل طرف يرسل رسائله، وكل محور يستعرض قدرته، وكل عاصمة تحسب نقاطها.....
بينما المواطن اليمني وحده يدفع الفاتورة نقدًا: يدفعها من راتبه، ومن أمنه، ومن خبزه، ومن مستقبل أبنائه.
فما قيمة أن تنتصر الشعارات إذا كان الوطن نفسه يخسر؟
وما معنى أن تُرفع راية "الاستقلال" بينما يصبح القرار الوطني أكثر التصاقًا بحسابات إقليمية؟
إن نصرة القضايا العربية والإسلامية لا تحتاج إلى تحويل اليمن إلى منصة إطلاق، ولا إلى تحويل اليمنيين إلى جنود احتياط في حرب الآخرين.
فاليمن ليس جبهةً مجانية لأحد ،ليس من حق أي قوة خارجية أن تستأجر جغرافية اليمن لتصفية حساباتها، كما ليس من حق أي جماعة يمنية أن تؤجر قرار البلاد لمن يدفع أكثر أو يمنحها سلاحًا أكثر.
الحكاية هنا ليست مجرد خلاف سياسي؛ إنها قضية وطنٍ جرى استنزافه تحت عناوين كبيرة....
فالحوثي الذي رفع شعار مواجهة الخارج وجد نفسه، بحسب التقارير الأممية، جزءًا من شبكة دعم إقليمية؛ والخارج الذي وجد في اليمن ورقةً استراتيجية لم يكن مضطرًا إلى دفع ثمن الورقة من خبزه وبيته ومستقبل أطفاله.
الذي يدفع هو اليمني.
والذي يحسب الأرباح آخرون.
وهذه هي أكثر صور العبث السياسي إيلامًا.
لقد أصبحت الحرب مع مرور الوقت أكثر من مجرد معارك على الجبهات...
أصبحت اقتصادًا للنفوذ، وشبكات للمصالح، ومسرحًا لإعادة توزيع القوة والثروة، حتى بات السلام نفسه يبدو، بالنسبة لبعض المستفيدين، أكثر خطورة من الحرب.
أما المواطن : فقد أصبح الخاسر الدائم في معادلة لا تتغير.
إنه يخسر عندما تبدأ الحرب، ويخسر عندما تطول، ويخسر عندما تتوسع، ويخسر عندما تتوقف دون أن يجد دولةً تستعيد حياته.
ولهذا لا تكفي الإجابة عن سؤال: من بدأ؟
ولا عن سؤال: من انتصر؟
السؤال الذي يطارد اليمنيين بعد اثني عشر عامًا تقريبًا هو:
من الذي ربح من كل هذا الخراب؟
من ربح من انقسام اليمن؟
من ربح من إضعاف الدولة؟
من ربح من تهجير اليمنيين؟
من ربح من تحويل الموانئ والطرق والجزر والمدن إلى أوراق في لعبة إقليمية؟
ولهذا فإن الحادي والعشرين من سبتمبر ليس مناسبةً لتبادل خطابات الانتصار بقدر ما هو مناسبةٌ لاستعادة السؤال الوطني المسروق:
أين اليمن في كل هذه الحسابات؟
اليمن هو ذلك المعلم الذي ينتظر راتبه ، والطفل الذي ينتظر مدرسته، والأم التي تنتظر عودة ابنها، والشاب الذي ينتظر فرصة عمل، والأسرة التي تريد فقط أن تعيش دون أن تكون جزءًا من حرب لا تفهم خرائطها.
لقد آن الأوان أن يُقال الأمر بوضوح:
من يريد مواجهة العالم....
فليواجهه بقراره هو لا بدم اليمنيين.
ومن يريد نصرة قضية..... فليبحث عن وسيلة لا تجعل شعبًا كاملًا يدفع ثمنها.
ومن يريد أن يتحدث باسم السيادة....
فليبدأ بإعادة القرار إلى صاحبه الحقيقي: ألا وهو الشعب اليمني .
اليمن يحتاج دولة.
دولة لا تكون فيها الميليشيا أقوى من المؤسسة، ولا يكون السلاح أرفع صوتًا من القانون، ولا تتحول الطائفة إلى وطن، ولا يتحول الوطن إلى ورقة تفاوض، ولا يصبح المواطن وقودًا لأجندة لا يعرف أين تبدأ وأين تنتهي.
أما الحادي والعشرون من سبتمبر، فسيبقى في الذاكرة اليمنية تاريخًا لا ينبغي أن يُقرأ فقط بمنطق من سيطر على صنعاء، وإنما بمنطق ما الذي حدث لليمن بعد ذلك.
فقد يكون أخطر ما في الحروب أن الذين يشعلونها يتحدثون طويلًا عن المستقبل، بينما الذين يدفعون ثمنها لا يجدون حاضرًا.