لم يُخلق التعليم في حضرموت يوماً ليكون بضاعة في سوق المساومات والتجاذبات، ولم تكن المدارسُ مسرحاً لإلواء الأذرع؛ لكن ما يجري اليوم من صلف وتعنت ممن ينادون بالإضراب المفتوح يتجاوز حدود المطالبة المشروعة ليلامس خطراً يهدد براءة أطفال لا ذنب لهم سوى أنهم ولدوا في زمن أصبحت فيه المدرسة رهينة، والطالب هو الضحية الأولى والوحيدة.
إن المعلم لم يكن يوماً ولن يكون عدواً للعملية التعليمية، بل هو رسول العلم وحامل مشاعله والنواة الصلبة لبناء المجتمعات؛ غير أن الإضراب في أصله النقابي وُجد ليكون وسيلة ضغط مرحلية وذكية، تُستخدم بقدر وبسقف زمني معلوم لإيصال رسالة للمسؤولين، لا ليكون سلاحاً يدمّر المستقبل ويصنع عمداً جيلاً يترنح في أحضان الجهل والضياع.
واستمراراً في تشخيص هذا الواقع المؤلم، يظهر الغيظ والتحسر جلياً عندما نرى هذا الشلل الدائم في قطاع التعليم يأتي في وقت ليس فيه المعلم هو الطرف الأكثر مظلومية مقارنة بغيره من كادر الدولة؛ فالواقع والأرقام يؤكدان أن المدرس اليوم يستلم راتباً شهرياً يتجاوز بوضوح ما يتقاضاه نظيره في بقية قطاعات الجهاز الحكومي الموازي، ورغم أن هذا الراتب قد لا يلبي كل الطموحات في ظل الظروف الاقتصادية الخانقة التي تطحن المجتمع بكامله، إلا أن اتخاذ هذه الذريعة حجة لتجهيل أبنائنا وقطع شريان المعرفة عنهم هو منطق أناني لا يستقيم مع سمو الرسالة التي يحملها المعلم؟
ومما يزيد المشهد تعقيداً ويستدعي المراجعة الشاملة، أن المنظومة التعليمية تعاني أصلاً من أزمات كفاءة متراكمة؛ إذ يلاحظ المتابعون أن عدداً من الكوادر الحالية، سواء من المعلمين الثابتين أو المتعاقدين، يفتقرون إلى كثير من المهارات التدريسية الأساسية، سواء في أساليب الشرح والتقويم أو في كيفية التعامل مع السلوكيات الطلابية وضبط الفصول؛ بل إن بعض الممارسات الفردية تصدر من معلمين هم أنفسهم بحاجة ماسة إلى تقويم السلوك وإعادة التأهيل التربوي والنفسي قبل أن يُعهد إليهم بناء عقول أطفالنا، وهو ما يجعل الإضراب وتعطيل الدراسة حجة ضعيفة لستر اختلالات عميقة تشوب الأداء والمهنية داخل المدارس.
وبناءً على هذه الحقيقة الصارخة التي تجعل من إغلاق المدارس خياراً غير مبرر، كان أضعف الإيمان يتطلب تحكيم العقل والضمير عبر تقديم حلول استثنائية تُخفف من وطأة هذه الكارثة على الفئات الأكثر هشاشة؛ ويأتي في مقدمة هذه الحلول استثناء الصفوف المبكرة (من الصف الأول وحتى الخامس الابتدائي) من أي إضراب أو تعطيل، فهذه المراحل التأسيسية تمثل الحجر الأساس في بناء قدرات الطفل، وإغلاق الصفوف في وجوههم يعني ببساطة حرمانهم من المهارات الأساسية في القراءة والكتابة والرياضيات، وتوريث المجتمع أجيالاً تعاني من التراجع الدراسي والتسرب قبل أن تبدأ رحلتها التعليمية.
وفي المقابل، فإن مسؤولية إنقاذ العام الدراسي لا تقع على عاتق طرف واحد، بل تضع مكتب وزارة التربية والتعليم بساحل حضرموت أمام اختبار حقيقي لإثبات قدرته على الإدارة والتعامل مع الأزمات؛ إذ يتوجب على السلطات التربوية التحرك الفوري وعدم الاكتفاء بموقف المتفرج، والعمل دون إبطاء على ايجاد خيارات وحلول عاجلة وسريعة تسهم في رفع هذا الإضراب وتضمن استمرار العملية التعليمية دون انقطاع، سواء عبر الاستجابة الفاعلة للمطالب المقبولة أو فرض معالجات إدارية ومالية مرنة تضمن فتح أبواب المدارس أمام الطلاب واستئناف الدراسة فوراً.
وختاماً، ينبغي التأكيد على أن العملية التعليمية رسالة مقدسة لا يجوز مسها أو العبث بها، وإذا كانت هناك مطالبات مالية مستحقة للمعلمين، فواجبهم الأخلاقي بصفة المعلم رسولاً للنور يحتم عليهم المطالبة بها بأساليب حضارية لا تُعرقل سير العلم؛ كأن يتم تعليق الدراسة يوماً واحداً فقط في الأسبوع يُخصص للوقوف في وقفات احتجاجية صامتة في أماكن عامة، بدلاً من إغلاق المدارس تماماً؛ إن العقل والمسؤولية يحتمان الجلوس الفوري بين قيادة مكتب التربية بساحل حضرموت والمعلمين للحوار والتقارب، للوصول إلى معالجات منصفة تحفظ كرامة المعلم ودون أن يكون الثمن هدم مستقبل أطفالنا.