بقلم احمد محمود السلامي
من بين ركام الحروب وصخب الشعارات المستهلكة، يرتفع صوت المواطن البسيط ليختصر حقيقة المرحلة المأساوية التي وصلنا إليها. لقد بلغت بنا الفوضى، والجوع، والتشرد، والانحطاط الأخلاقي حد الحضيض، وضاق هذا الشعب المطحون ذرعاً من الوعود الجوفاء التي لا تسمن ولا تغني من جوع. اليوم، وبشكل صريح ومباشر، تعلو الحقيقة المفروضة: لم يعد يعنينا شكل الحاكم، ولا خلفيته، ولا انتماؤه الحزبي أو المناطقي؛ إن ما يعنينا حقاً هي مطالب قائمة وحقوق مسلوبة لا تقبل التسويف أو المساومة.
تأتي في مقدمة هذه المطالب استعادة السيادة الوطنية الكاملة على كل شبر من أرض الوطن، والحفاظ الصارم على ثرواته ومقدراته. والسؤال المباشر الذي نرفعه في وجه كل من يتصدر المشهد اليوم: هل تملك القدرة والشجاعة على استعادة هذه السيادة والتصرف كرجل دولة حر؟ إن كنت لا تستطيع، فما عليك إلا تقديم استقالتك والمغادرة فوراً. غير أن المفارقة المبكية التي تصدمنا جميعاً تكمن في غياب الإجابة عن سؤال أشد مرارة: تقدم الاستقالة لمن في ظل هذه الفوضى؟
إن الخروج من هذا النفق المظلم يتطلب الشروع الفوري في بناء دولة مؤسسات حقيقية تتجاوز المحسوبية والمناطقية الضيقة والفساد، دولة يتحقق فيها الأمن والعدل والتنمية المستدامة، مع ضمان استمرار التعليم النظامي والمستمر وفق ضوابط علمية حديثة تحفظ أجيالنا من الضياع. إلى جانب ذلك، يجب التركيز على توفير الخدمات الأساسية وفي مقدمتها الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، مع إيلاء الاهتمام الكامل بالشباب الذين يمثلون عماد المستقبل والركيزة الوحيدة لبنائه.
لم تعد التصريحات الرنانة والوعود المعسولة تنطلي على شعب أنهكته الأزمات والحروب. إن من يملك الإرادة الحقيقية والقدرة الفعلية على تلبية هذه المطالب الشعبية وانتشال المواطن من مأساته فليتفضل وليحكم، ولن يسأله أحد عن اسمه أو لونه أو انتمائه؛ فالشرعية الحقيقية لا تمنحها خطابات منصات التتويج والمناصب والمال، بل تصنعها كرامة المواطن وإنجازات الميدان.