آخر تحديث :الإثنين-21 سبتمبر 2026-01:14ص

قراءة في مآلات التحالف الأمريكي العربي الإسرائيلي على إيران وانعكاساته على الأمن والدولة والمجتمع العربي

الأحد - 20 سبتمبر 2026 - الساعة 10:52 م
د. جمال الهاشمي


ليس من المنطق الجيوسياسي النظر إلى المواجهة مع إيران على أنها حربا من حروب الشرق الأوسط المعروفة التي يعاد فيه الاقليم العربي على ما كان عليه قبل الحرب.

مما يفرض علينا تحديد نمطها وأثرها وانعكاساتها على الأمن العربي ومعالم الجغرافيا و انظمة الدول ومجتمعاتها.

لم تكن إيران سبب في انهيار دول الأزمات ولم تصنع ثورات المنطقة وإنما تمكنت باستراتيجيتها من توسيع نفوذها الأمني عبر تأسيس خطوط دفاعية أمامية متقدمة من داخل دول الأزمات ومن ثم كان التواجد الإيراني نتيجة طبيعة ساهمت في حضوره غياب مؤسسات الدولة وضعفها وتوظيف النظم السياسية للمعتقدات والعرقيات والجهويات داخل المجال العام للدولة بالإضافة الى اسباب منها غياب فاعلية القانون والتنمية والعدالة الاجتماعية وتعدد مراكز النفوذ خارج القانون وغياب الأمن العام واحتكار مؤسسات الدولة وتقاسمها بين مراكز النفوذ المحلي.

ومن ثم فإن استعادة الدولة التي انفرطت لم يعد ممكن في ظل استمرار النمطية السائدة التي ترفض وجود الدولة ومؤسساتها وهذا ما استقرأته من الخطابات السياسية لقوى النفوذ العسكري

فهذه الحرب أيا تكن نهايتها المباشرة فإنها تفتح الباب أمام تحول طويل في علاقة العرب بالقوة، وفي مفهوم الدولة للأمن، وفي علاقة المجتمع بالدولة، وفي موقع العرب بين القوى الإقليمية والدولية وفي نظري أن المنطقة لن تعود إلى الوراء.

وستخرج إيران من هذه المواجهة وإسرائيل والولايات المتحدة مختلفة وكذلك الدول العربية. وربما يكون هذا هو الجانب الذي لم يحظ بالاهتمام الكافي؛ فالحرب التي تبدو في ظاهرها مواجهة بين واشنطن وتل أبيب وطهران فإنها تحمل مخاضات جديدة لإعادة تشكيل الدولة العربية .

لقد عاش النظام الإقليمي العربي طويلا على معادلة استسلامية تقول بإن أمن الدول العربية، وخصوصا الخليجية يعتمد في جانب كبير منه على قوة أمريكية قادرة على الردع والحماية، بينما تتولى الدول العربية إدارة شؤونها الداخلية واقتصاداتها وتنميتها.

و لكن الحرب هذه ستجعل هذه المعادلة أقل بساطة.

فالدولة العربية قد تكون حليفا للولايات المتحدة وقد تستضيف قواعدها وقد تكون حريصة على منع الحرب ومع ذلك تجد نفسها معرضة لنتائج حرب لم تختر بدايتها وليس بمقدورها تقرير نهايتها.

وهو ما يعني اعادة اعمار جديد يستنزف بالحرب ما بقي من ثروات باطنية او مدخرات لاعادة الاعمار في ظل تصاعد الحروب الاقتصادية التي تستهدف البنى التحتية والاقتصادية للدول وعندما يحدث ذلك ستكتشف الدولة أن التحالف ليس بالضرورة السيطرة على نتائج الحرب.

ومن هنا في تقديري سيولد التحول الأول.


فلن يعود كافيا أن تكون هناك طائرات أمريكية أو قواعد عسكرية وانما سيفرض على الدولة بتاء قدرتها الذاتية لجماية مدنها ومطاراتها وموانئها وشبكاتها الالكترونية ومنع اقتصاداتها من الانهيار اذا طال الصراع

وبالتالي سيصبح مفهوم الأمن أوسع من مفهوم الحرب.

فالدولة التي تستطيع أن تقاتل لكنها لا تستطيع أن تستمر ستكون دولة ضعيفة مهما امتلكت من السلاح، والدولة التي تستطيع حماية اقتصادها ومجتمعها وبنيتها الأساسية أثناء الحرب ستكون أكثر قوة حتى لو لم تكن قوية عسكريا .

ومن هنا أتصور أن السنوات المقبلة ستشهد تحولا هادئا لكنه عميق ، فالدولة العربية ستبدأ في البحث عن أمنها في الداخل بعد أن كانت تبحث عنه في الخارج وستبدأ العواصم العربية في توزيع مخاطرها؛ علاقة عسكرية مع واشنطن، وعلاقة اقتصادية مع الصين، وشراكات تكنولوجية مع أوروبا وآسيا، وعلاقات أمنية مع تركيا وباكستان، وقنوات سياسية مع إيران.

وكل ذلك مبعثه الخوف من الاعتماد على طرف واحد مما يجعل المعادلة في حد ذاتها تحديا اضافيا لعقلية سياسية تبحث عن استبقاء وجودها بالخارج في ظل استمرارها في تعطيل وربما اضعاف مقوماتها وامكانياتها الداخلية خوفا من الداخل.

وهكذا قد تدخل السياسة العربية مرحلة يمكن تسميتها مرحلة تعدد الخيارات وتعدد المخاوف، وهذا التحول قد يكون بداية لتحولات داخل السلطة والمجتمع.

أما إيران، فأعتقد أن الحرب ستفرض عليها إعادة تعريف وجودها الإقليمي ولن تختفي حتى لو تعرضت قدراتها العسكرية لضربات كاسرة، وحتى لو تغير نظامها السياسي ستظل إيران موجودة بجغرافيتها وسكانها وتاريخها وموقعها على الخليج وستظل دولة لا يمكن تجاوزها في أي ترتيب أمني طويل الأمد.

وهنا ستكتشف الدول العربية أن هزيمة إيران عسكريا ليس حلا للمشكلة الإيرانية.

ولهذا أتوقع أنه بعد مرحلة الصدمة والحرب ستعود المنطقة شئنا أم أبينا إلى الحوار مع إيران ولكن الحوار المقبل لن يكون حوار الثقة، وإنما حوار المصالح والردع والحدود.

ومن هنا قد يولد في الخليج شيء يشبه توازن الردع والتعايش؛ لا سلاما حقيقيا ولا حربا دائمة، وإنما علاقة تقوم على معرفة كل طرف لحدود القوة التي يستطيع استخدامها.

لكن المشكلة الأكثر تعقيدا ستكون في مكان آخر وهو داخل المجتمع العربي نفسه، وهنا نتحدث عن شرعية النظم السياسية والتي بدت في تراجعها دوليا ومحليا.

كما أن التعاون العربي مع إسرائيل في مواجهة إيران قد يبدو منطقيا من منظور الدولة ومصالحها الأمنية ولكنه لن يكون بالضرورة منطقيا من منظور المجتمع حيث أن فلسطين لم تختف من الوعي العربي كما تصور اسرائيل في الوعي المجتمعي لن يتغير لأنه عقيدة وقيمة وقرآن وسنة والخروج عن هذا الوعي لن يكون إلا بتغيير النصوص أو تغيير الدين ومن ثم فإن دخول البيت الإبراهيمي ليس دخولا سياسيا من حيث المفهوم والدلالة وإنما هو استراتيجية جديدة لخلط القيم وتوحيد الديانات وهو ما يعني فلسفيا امتصاص القيم العالمية بمناهج دينية مختلفة تتخذ جميعها من بولس الرسول مرجعا تأصيليا للمفاهيم الدينية والدنيوية.

وهذا التوجه هو من أهم أسباب توجه المعتقدات نحو المقاومة أو الاعتزال فالعلاقة مع إسرائيل ستظل محكومة بذاكرة طويلة وبواقع سياسي لا يمكن تجاوزه وإن بدت ظواهر شبكية تعمل على خلق هذا المجال الذي سيظل محدودا.

وهنا قد تنشأ واحدة من أخطر الفجوات في المرحلة المقبلة؛ فالدولة قد ترى الخطر الإيراني، بينما يرى المجتمع الخطر الإسرائيلي؛ والدولة قد تبحث عن حماية أمنية بينما يبحث المجتمع عن عدالة سياسية.

وكلما طال هذا التناقض أصبحت مهمة الدولة ووظيفتها أكثر تعقيدا.

فلن تستطيع الحكومات أن تبني علاقاتها الخارجية على حساب مجتمعاتها إلى ما لا نهاية كما لن تستطيع المجتمعات أن تفرض على الدولة تجاهل مصالحها الأمنية.

وسيكون الحل في النهاية، سياسيا أمنيا وقيميا ولكن بعد صراعات مجتمعية وقيمية ودينية لن تتوقف ما لم تحكمها مرجعية واضحة.

فإذا أرادت إسرائيل أن تتحول علاقتها مع الدول العربية من تعاون أمني اضطراري إلى علاقة إقليمية مستقرة فستظل القضية الفلسطينية هي الباب الذي لا يمكن تجاوزه.

وقد تكون هذه إحدى المفارقات الكبرى في الحرب فكلما زاد الخطر الإيراني زادت الحاجة العربية إلى التعاون مع إسرائيل؛ وكلما زاد التعاون مع إسرائيل ازدادت الحاجة إلى حل القضية الفلسطينية حتى لا يتحول التعاون إلى أزمة داخلية عربية.

وهكذا يصبح الملفان الإيراني والفلسطيني مرتبطين أكثر مما يبدو في الظاهر.

أما المجتمع العربي فأعتقد أنه مقبل على تحول أعمق مما هو ظاهر.

لقد عاشت أجيال عربية طويلة وهي تسمع عن الحرب، والتحرير، والهزيمة، والانتصار، والمحاور، والصراع الإقليمي ولكن الجيل الجديد يعيش في عالم آخر وهو عالم التكنولوجيا والعمل والهجرة والتعليم والأسواق والذكاء الاصطناعي.

فقد يظل فلسطينيا في وجدانه وقد يخشى إيران وقد يرفض إسرائيل لكنه في النهاية يريد أن يعرف شيئا عن مستقبله في هذا الصراع، وهنا ستصبح شرعية الدولة مرتبطة أكثر بقدرتها على حماية الحياة اليومية.

فإذا استطاعت الدولة أن تحمي المواطن من آثار الحرب وتحافظ على الاقتصاد والخدمات والعمل وتمنع عسكرة المجتمعات فسوف يزداد تماسكها.

أما إذا تحولت الحرب إلى ارتفاع في الأسعار وانكماش اقتصادي وبطالة، وخوف وهجرة فإن المواطن سيبدأ في النظر إلى الصراع الإقليمي باعتباره عبئا وهذا قد يؤدي إلى تغير كبير في الثقافة السياسية العربية والوعي السياسي.

فالدول التي تستطيع أن تقدم لمواطنيها حياة مستقرة ستصبح أقل عرضة للانقسامات. أما الدول التي تفشل في ذلك فقد تعود إليها الهويات الفرعية والطائفية والمناطقية لتملأ المساحات الملتهبة.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي.

فإيران وإسرائيل وأمريكا يمكن أن تتفاوض في النهاية، لكن المجتمع الذي ينقسم على أساس طائفي أو هوياتي يحتاج إلى سنوات طويلة حتى يستعيد تماسكه.

لذلك فإن حماية المجتمع من آثار الحرب قد تصبح أهم من حماية الحدود نفسها ومن هذا الجانب ربما تكون الحرب الحالية فرصة تاريخية لإعادة التفكير في معنى الأمن العربي من داخل المجتمعات نفسها.

قوة تقاس بقدرة الدولة على إنتاج غذائها وتأمين مياهها وحماية اقتصادها وتطوير تقنيتها وتصنيع جزء من سلاحها وتأمين حدودها وحماية فضائها السيبراني، والأهم من ذلك كله المحافظة على تماسك مجتمعها.

وقد يقود ذلك إلى شكل جديد من التعاون العربي؛ تعاون عملي في الدفاع الجوي والأمن البحري والغذاء والمياه والطاقة والتكنولوجيا والأمن السيبراني وربما تنشأ في السنوات المقبلة عروبة جديدة لا تبدأ من السياسة وإنما من المصالح عروبة لا تطلب من الدول أن تتفق على كل شيء، وإنما أن تدرك أن بعض المخاطر أكبر من قدرة أي دولة مستقلة بذاتها.

وهذا، في رأيي هو الطريق الأكثر واقعية للخروج من مأزق التجزئة.

أما إذا لم يحدث ذلك فقد تتحول المنطقة إلى مجموعة دول محمية من الخارج لكنها عاجزة عن حماية نفسها بصورة مستقلة وستظل كل دولة تنتظر من القوة الكبرى أن تقرر متى تبدأ الحرب ومتى تنتهي.

وهنا قد تكون أكبر خسارة عربية هي ضياع القدرة على صناعة القرار.

لذلك فإن مستقبل المنطقة لن تحدده إيران وحدها ولا إسرائيل ولا الولايات المتحدة وانما سيحدده العرب أيضا إذا استطاعوا أن يدركوا أن الحرب يقتضي الخروج من قواعد النظام الإقليمي القديم، وأن العودة إليه بعد توقف القتال ستكون مجرد تأجيل للأزمة.

ربما تكون هذه الحرب بداية نهاية مرحلة كاملة وربما زوال انظمة قائمة.

ونهاية مرحلة كانت فيها المنطقة تبحث عن قوة خارجية تحميها من قوة إقليمية أخرى.

أما المرحلة المقبلة فقد تدفع العرب للمرة الأولى منذ عقود إلى البحث عن شيء مختلف وهو أن تكون لهم القدرة على حماية أنفسهم دون أن يعزلوا أنفسهم عن العالم.

وعندها فقط يمكن أن يتحول الصراع من كارثة إقليمية إلى فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة العربية.

فالحرب في النهاية لا تختبر الجيوش وحدها وانما تختبر الدول و المجتمعات و قدرة الأمم على التعلم.

فهل سيعود العرب إلى النظام الذي أنتج أزماتهم، أم سيحاولون بناء نظام جديد تكون فيه حماية الأمن العربي مسؤولية عربية قبل أن تكون مسؤولية الآخرين؟

وأوكد مرة أخرى أن العقل العربي السياسي وكذلك الوعي المجتمعي والتنظيمي العربي يعيد انتاج نفسه دون تجديد ودون رؤية واضحة للمتوقع من منظور الواقع.

وما انفقه العرب في افغانستان من موارد مالية وبشرية ذهب لصالح إمريكا وحلفائها على حساب افغانستان وشعبها والمناطق المجاورة لها٫ بينما خرج العربي بصورة مشوهة عالميا موسوما باسلامه ارهابا وترتب عليه تغيير مناهج التعليم العربي بما يتناسب مع ارادة الثقافة الامريكية الاسرائيلية وتطابق الاسلام مع الارهاب في الثقافة العالمية وحتى داخل المجتمعات العربية نفسها.،

والتحالف الدولي العربي على العراق وتدمير بنيته ومؤسساته وسع من النفوذ الإمريكي والإيراني والإسرائيلي في المنطقة وما دفعه العرب ويدفعونه أضعاف بمئات المرات من مطالب العراق حينها ومن ثم سقط الأمن وسقط بسقوط العراق سوريا ولبنان والسودان وليبيا واليمن وتونس وبنفس العقلية التي اسقطت العراق .

هذه العقلية موسومة بالطبع الامريكي ولن تستطيع التغيير وهي بذلك قيمة وظيفية تبحث عن أمنها بالخارج ومما يضمن استمرارها هو استمرار وظيفتها فإذا انتهت او تمردت ستسقط حتما لأن كلفة بقائها دون وظيفة يعني تهديد لمصالح الدول الحامية والتي تحتاج لانظمة قادرة على سياسة شعوبها.

ولهذا نجد ان امريكا واسرائيل تخلتا عن شاه ايران لأنه لم يعد قادرا على سياسة الشعب على الرغم من قوته العسكرية وكلفة بقائه أصبح مكلفا لذلك استسلم الغرب للخميني وخلق له اشكالا مع العراق لاضعاف الدولتين اللتان تهددان الوجود الامريكي وامن اسرائيل حينها.

ومن ثم فإن التحالف العربي الامريكي الاسرائيلي على ايران سيكون حتما لصالح امريكا واسرائيل في المنطقة ومن ثم ستخلق فوضى اجتماعية وقيمية وعقائدية داخل الدول العربية مما سيؤدي الى تفككها وهو ما سيمكن امريكا واسرائيل من ادارة التناقضات وخلق حلفاء يسيطرون على الثروات ويتعسكرون لحماية المصالح الامريكية الاسرائيلية ولكن ستظل مصر وتركيا عقبتين اخريتين وربما ان تتجه حينها السياسة الاسرائيلية نحو تركيا ولكن بعد ان تضمن تحالفا جيوسياسيا واستراتيجيا مع النظام الجديد في ايران ومن ثم ستكون ايران مشاركا في تقاسم المصالح الاقليمية ولكن على حساب العقلية العربية التي لم تستطع منذ عشر سنوات ان تحل ازمة عربية او ان تتركها تتحرك دون المشاركة في تعطيلها او اشعالها على حساب القيم والانسان والمجتمع