آخر تحديث :الإثنين-21 سبتمبر 2026-01:14ص

قبل أن تزيلوا الألواح.. أصلحوا الكهرباء

الأحد - 20 سبتمبر 2026 - الساعة 07:54 م
محمد المسبحي


ثمة أمور تجري، وشطحات تصدر عن بعض المسؤولين، لا تجد لها تفسير منطقي بقدر ما تدفعك إلى الضحك. ومن أغرب هذه المفارقات أن يصبح منظر ألواح الطاقة الشمسية فوق أسطح المنازل والمحلات أكثر إزعاجًا من غياب الكهرباء نفسها.

وفي هذه المدينة ، حيث يشتري المواطن الكهرباء من جيبه بعد أن عجزت الخدمة العامة عن توفيرها بصورة مستقرة، يبدو الحديث عن إزالة الألواح بحجة تشويه المنظر العام وكأنه يأتي من مدينة أخرى لا تعيش الأزمة نفسها.

فالمشكلة تبدأ عندما تصبح الأولوية لترتيب المشهد من الخارج، بينما يترك المواطن في الداخل يبحث عن وسيلة لإضاءة منزله وتشغيل محله.

وهنا تصبح الحكاية أكبر من ألواح شمسية فوق سطح.

إنها حكاية أولويات..لهذا تبدو المفارقة قاسية حين يتحول تركيب هذه الألواح إلى مشكلة إدارية، ويصبح المبرر المتداول هو أنها تشوّه المنظر العام للمديرية، كما تقول السلطة المحلية، التي تريد الحفاظ على المظهر الحضري للمدينة.

وهذا من حيث المبدأ هدف مشروع. فالمدن تحتاج إلى تنظيم، والمباني تحتاج إلى ضوابط، والواجهات العامة ليست ملكا فرديا مطلقا

لكن الحكاية تبدأ في فقدان تماسكها عندما يصبح الحفاظ على المنظر العام منفصلًا عن الواقع الذي تعيشه المدينة.

فاللوح الشمسي لم يظهر في عدن لأن الناس اكتشفوا فجأة عشقًا للمناظر المعدنية فوق الأسطح. ظهر لأن الكهرباء غير قادرة وحدها على تلبية احتياجاتهم. المواطن الذي اشترى منظومة شمسية لم ينتظر من الدولة أن تموّلها، ولم يحمّل ميزانيتها كلفة تشغيلها، بل دفع من ماله الخاص كي يضيء منزله أو يشغّل محله.

هنا تتغير زاوية النظر.

المسألة ليست دفاع عن الفوضى العمرانية، ولا دعوة إلى ترك الأسطح بلا تنظيم. المسألة تتعلق بالمنطق الذي تُدار به الأولويات.

يمكن للسلطة المحلية أن تضع معايير لتركيب الألواح، وأن تحدد المواقع والارتفاعات، وأن تمنع التركيبات التي تشكل خطر أو تشوّه واجهات المباني في المناطق ذات الخصوصية العمرانية. التنظيم مفهوم، بل مطلوب.

أما الإزالة لمجرد وصف الألواح بأنها تشوّه المنظر، فهي تحتاج إلى تبرير أكثر صلابة من العبارة نفسها.

لأن المسؤولية الإدارية لا تنتهي عند إصدار التوجيه. تبدأ بعدها.

إذا كان مدير المديرية قد أصدر توجيه بإزالة الألواح، فإن من حق المواطنين معرفة الأساس الذي استند إليه القرار، وما المعايير التي تحدد التشويه، وهل تنطبق هذه المعايير بصورة متساوية على الجميع، وهل طُرح خيار التنظيم قبل الإزالة.

وهذه ليست تفاصيل هامشية. فالقرار الذي يمس مال المواطن ومصدر طاقته يحتاج إلى منطق واضح، لا إلى توصيف فضفاض.

والأهم أن المشكلة لا تتوقف عند صاحب المنزل.

فصاحب المحل الذي يركب الطاقة الشمسية يفعل ذلك لأنه يحاول حماية نشاطه من الانقطاع، وصاحب المنزل يفعل الأمر نفسه لحماية أسرته من ساعات الظلام والحرارة. كل واحد منهما وجد حلًا فرديًا لمشكلة جماعية.

وهنا تكمن المفارقة الأكبر: بدلًا من أن يُنظر إلى هذه المبادرات باعتبارها جزءًا من قدرة المجتمع على التكيف مع أزمة الكهرباء، يجري التعامل معها باعتبارها عبئًا بصريًا يجب التخلص منه.

هنا انقلبت العلاقة بين المواطن والخدمة العامة رأسًا على عقب.

وفي الحالة الطبيعية، تتحسن الخدمة العامة فيقل اعتماد الناس على الحلول الفردية. أما عندما تتراجع الخدمة، ثم تأتي الإدارة لتقيّد الحل الفردي من دون تقديم بديل، فإن المواطن يصبح محاصرًا بين عجز الخدمة وسلطة القرار.

ومن يدفع الثمن في النهاية هو المواطن وحده..يدفع ثمن المنظومة، ثم ثمن البطاريات والصيانة، ثم يتحمل تبعات أزمة الكهرباء، وبعد ذلك قد يجد نفسه مطالبًا بإزالة ما اشتراه بماله لأن شكله لا ينسجم مع تصور إداري للمشهد الحضري.

هنا تحديدا ينبغي أن يتقدم العقل الإداري على الرغبة في إصدار الأوامر.

فالمدن الحديثة لا تتعامل مع الطاقة الشمسية بوصفها تشويه ينبغي إخفاؤه، وإنما باعتبارها جزءًا من التحول في أنماط إنتاج واستهلاك الطاقة، مع وضع قواعد تنظم وجودها وتحافظ في الوقت نفسه على السلامة والمظهر العمراني.

وهذا هو البديل المنطقي في عدن أيضًا: تنظيم لا إزالة، ومعايير لا مزاج، وحلول عمرانية وليست عقوبات على المواطن.

ويمكن تحديد نماذج للتركيب، وتوحيد شكل الهياكل في الشوارع الرئيسية، وإخفاء الأسلاك، ومنع التركيبات العشوائية التي تشكل خطرًا أو تشوّه واجهات المباني. ويمكن للسلطة المحلية أن تعمل مع ملاك العقارات والمواطنين للوصول إلى صيغة تحافظ على المدينة وتترك للناس حق الاستفادة من الطاقة الشمسية.

أما وضع المواطن أمام خيارين، إما أن يقبل الظلام أو يزيل ما اشتراه بماله، فذلك لا يعالج أزمة الكهرباء ولا يحسن المدينة.

وإذا كانت عدن تريد أن تبدو مدينة حديثة، فعليها أن تتعامل مع الطاقة الشمسية كجزء من واقعها الجديد، لا كشيء ينبغي إخفاؤه.

فالمدينة التي تخاف من منظر ألواح الطاقة الشمسية أكثر مما تخاف من انقطاع الكهرباء، تحتاج إلى مراجعة أولوياتها قبل أن تراجع أسطح منازلها.