آخر تحديث :الإثنين-21 سبتمبر 2026-01:14ص

صناعة المستقبل: رؤية للتعليم والتكنولوجيا والاقتصاد المنتج

الأحد - 20 سبتمبر 2026 - الساعة 04:14 م
د. ربيع العوبثاني


قد يبدو الحديث عن صناعة المستقبل في واقع مثقل بالأزمات نوعًا من الترف فالناس منشغلة بالكهرباء والمياه وارتفاع تكاليف المعيشة وفرص العمل وتراجع الخدمات، وهذه ليست تفاصيل يمكن تجاوزها في خطاب عن التنمية، بل هي الواقع الذي يعيشه الناس كل يوم.


لكن هذا الواقع نفسه يفرض علينا سؤالًا أصعب هل يكفي أن نعالج نتائج الأزمة كل يوم، أم أن علينا بالتوازي أن نبني القدرة التي تمنع إعادة إنتاجها غدًا؟


نحتاج إلى الكهرباء اليوم، لكننا نحتاج أيضًا إلى مهندسين وتقنيين وشركات قادرة على تطوير حلول الطاقة وتشغيلها وصيانتها، نحتاج إلى فرص عمل للشباب، لكننا نحتاج كذلك إلى اقتصاد قادر على خلق فرص جديدة بصورة مستمرة. ونحتاج إلى تحسين الخدمات، لكننا نحتاج قبل ذلك ومعه إلى مؤسسات وكفاءات تستطيع إدارتها وتطويرها.


من هنا يصبح الحديث عن التعليم والتكنولوجيا والاقتصاد المنتج جزءًا من معالجة الواقع، وليس هروبًا منه.


فالأزمات التي تظهر أمامنا في صورة انقطاع كهرباء أو بطالة أو ضعف خدمات تكشف، في جانب منها، عن مشكلة أعمق تتعلق بقدرتنا على إنتاج الحلول وبناء المؤسسات وتأهيل الإنسان القادر على إدارتها، والتنمية في جوهرها تبدأ من هذا الإنسان، لا من المباني والمعدات وحدها.


لدينا في اليمن مجتمع شاب وطاقة بشرية كبيرة، لكن الطاقة البشرية لا تتحول تلقائيًا إلى قوة اقتصادية. نحن بحاجة إلى تعليم ينقل الطالب من حفظ المعرفة إلى استخدامها، ومن انتظار الفرصة إلى القدرة على صناعتها، ومن استهلاك التكنولوجيا إلى فهمها وتطويرها والمشاركة تدريجيًا في إنتاجها.


وهنا تبرز أهمية التعليم التقني والتطبيقي فالطالب الذي يتعلم الطاقة المتجددة ينبغي أن يجد مختبرًا يصمم ويجرب فيه، وطالب الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات ينبغي أن يعمل على مشكلات حقيقية، وطالب الإلكترونيات والأنظمة الذكية ينبغي أن ينتقل من دراسة الدائرة إلى بناء نموذج واختباره وتطويره، عندها يبدأ التعليم في إنتاج القدرة، وليس الشهادة فقط.


لكن التكنولوجيا التي نريدها ليست تكنولوجيا للاستعراض أو لمجرد مواكبة ما هو حديث، قيمتها الحقيقية تبدأ عندما تساعدنا في حل مشكلاتنا وصناعة قيمة اقتصادية. حين نعاني من الكهرباء، تصبح الطاقة المتجددة وأنظمة التحكم والتخزين مجالًا للحلول، وحين نواجه تحديات في الزراعة والثروة السمكية، يمكن للتقنيات الرقمية والأتمتة والبيانات أن ترفع الإنتاجية وتقلل الهدر، وحين نريد تحسين المؤسسات والخدمات، تصبح البرمجيات والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي أدوات لرفع الكفاءة وتقليل التكلفة.


وهنا تتصل التكنولوجيا مباشرة بالاقتصاد المنتج.


وحضرموت تمتلك فرصة مهمة في هذا الجانب فهي تمتلك الإنسان والموارد والموقع والإمكانات الاقتصادية، لكن امتلاك الموارد وحده لا يصنع التنمية، السؤال الحقيقي ليس فقط ماذا نملك؟ بل ماذا نستطيع أن نصنع بما نملك؟


الثروة السمكية يمكن أن تتحول إلى سلاسل متكاملة للتصنيع والحفظ والتعبئة والتصدير، والطاقة يمكن أن تنشأ حولها خدمات هندسية وشركات وحلول تقنية، والزراعة يمكن تطويرها بالتكنولوجيا والتصنيع الغذائي، والموقع والموانئ يمكن أن يدعما قطاعًا لوجستيًا أكثر تقدمًا.


لكن الحلقة التي يجب ألا تنقطع هي العلاقة بين التعليم والإنتاج فلا يكفي أن نعلم الشاب ثم نتركه بعد التخرج يبحث وحده عن وظيفة. ينبغي أن تمتد الرحلة من قاعة الدراسة إلى المختبر، ومن المختبر إلى المشروع، ومن المشروع إلى الحاضنة، ثم إلى الاستثمار والسوق. عندها تصبح المؤسسة التعليمية جزءًا من الاقتصاد، ويصبح الاستثمار في الشباب استثمارًا في قدرة المجتمع على إنتاج الفرص.


ولا نستطيع بناء ذلك بمعزل عن العالم نحن بحاجة إلى شراكات دولية تنقل المعرفة، وتدرب الكفاءات، وتطور المختبرات والمشروعات، وتفتح أبواب البحث والتطوير والأسواق، لا نحتاج إلى استنساخ تجارب الآخرين، وإنما إلى التعلم منها ثم توطين المعرفة وتطوير ما يناسب واقعنا.


كما أن هذه المسؤولية لا تقع على جهة واحدة، فالحكومة تهيئ البيئة والسياسات والبنية الأساسية، والقطاع الخاص يستثمر وينتج ويخلق الفرص، والمؤسسات التعليمية تبني الإنسان والمعرفة، وحاضنات الأعمال تساعد على تحويل الأفكار إلى مشروعات، والمؤسسات المالية توفر أدوات التمويل. وحين تتكامل هذه الأدوار، ننتقل من المبادرات المتفرقة إلى منظومة قادرة على الاستمرار.


المواطن الذي يبحث اليوم عن كهرباء مستقرة، وفرصة عمل، وخدمة جيدة، لا يحتاج إلى خطاب بعيد عن واقعه، بل إلى حلول حقيقية. وفي الوقت نفسه، علينا أن نضمن ألا نجد أنفسنا بعد عشر سنوات نناقش الأزمات نفسها بالأدوات نفسها.


لذلك لا أرى تعارضًا بين معالجة الحاضر وصناعة المستقبل. نحتاج إلى الكهرباء اليوم، ونحتاج أن نبني من يستطيع تطوير حلول الطاقة غدًا، نحتاج إلى فرص العمل اليوم، ونحتاج إلى اقتصاد يستطيع خلقها غدًا، ونحتاج إلى تحسين التعليم اليوم، ونحتاج أن نجعله قادرًا على تغيير شكل الاقتصاد غدًا.


هذه هي السلسلة التي أؤمن بها تعليم يبني الإنسان، وتكنولوجيا تمنحه القدرة، ومؤسسات تحول المعرفة إلى مشروعات، واستثمار يحول المشروعات إلى إنتاج، وإنتاج يصنع قيمة تعود في النهاية إلى الإنسان وتحسن حياته.


فصناعة المستقبل لا تبدأ عندما تنتهي الأزمات، بل تبدأ عندما نتوقف عن الاكتفاء بمعالجة نتائجها، ونشرع في الوقت نفسه في بناء الإنسان والمؤسسات والقدرات التي تمنع إعادة إنتاجها.


وحين يصبح التعليم طريقًا إلى القدرة، والتكنولوجيا طريقًا إلى الإنتاج، والإنتاج طريقًا إلى تحسين حياة الناس، نكون قد بدأنا فعلًا في صناعة المستقبل.