الحشاشون الجدد… لا يدركون ما ينتظرهم وما ينتظر اليمن
بعد هدنة دامت نحو ثلاث سنوات، منحتها الشرعية والتحا
لف للحوثيين من دون مقابل، واستغلوها لبناء ترسانة عسكرية وتعزيز قدراتهم القتالية، قرروا إعادة الحرب إلى نقطة الصفر، ووضعوا صنعاء وصعدة مجددًا أمام فوهة المدفع.
إنهم لا يجيدون البقاء على الأرض من دون حرب ودمار ورعب يوزعونه على المناطق الخاضعة لسيطرتهم وعلى أتباعهم؛ فهم حشاشو القرن الحادي والعشرين.
في عام 2014، عقب
اجتياح صنعاء في الحادي والعشرين من سبتمبر المشؤوم، وأثناء مفاوضات موفنبيك، ذهبت الأحزاب المنكسرة إلى توقيع اتفاق السلم والشراكة ، الذي وصفه الدبلوماسي المخضرم الدكتور عبدالكريم الإرياني، رحمه الله، بـ اتفاق الشِّرك والسلامة . وقد أنجب حكومة مختطفة في عاصمة مخطوفة، ومع أنه كان اتفاق هزيمة مذلة، فقد هلّل له العالم وأيّده.
صادف اجتياح صنعاء وجودي في القاهرة؛ إذ سافرت إليها قبل الاجتياح بأيام. وهناك زارني صديق هاشمي عاقل وموضوعي، كان مقرّبًا من الحوثيين، وسألني:
هل تعتقد أن اليمن مقبلة على حرب؟
قلت له: بالتأكيد.
قال: وهل يمكن تجنّب نشوبها؟
قلت: ربما، إذا أقنعت أصحابك بتجنّب ثلاثة محظورات؛ فإن فعلوا، فقد ينجو اليمن من الانزلاق إلى ح
رب أهلية مدمرة:
أولًا: ألّا يقتربوا من شرعية الدولة والرئيس التوافقي؛ لأن بقاءها يعني بقاء دولة يمنية معترف بها.
ثانيًا: ألّا يقتربوا من الحدود السعودية، وأن يتركوا منافذ البقع وعلب وحرض تحت سلطة الدولة؛ لأن احتكاكهم بالمملكة سيشعل حربًا تتجاوز اليمن.
ثالثًا: ألّا يتقدموا نحو البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن؛ لأنها ممرات دولية، والاقتراب منها سيؤدي إلى تدويل الأزمة.
غادر الرجل فرحًا، كأنه حصل على وصفة نجاة، وودعته متفهمًا حرصه، لكنني لم أكن واثقًا من أن الحوثيين سيأخذون بشيء منها؛ لمعرفتي بطبيعة الجماعات الدينية المتطرفة التي تتلقى النصيحة ثم تعمل بعكسها، وتزعم أن عقيدتها مرتبطة بالسماء وتتلقى تعليماتها من الحي القيوم.
نقل الرجل إليهم الفكرة، كما فهمت فيما بعد، لكنهم لم يمهلوه حتى يخبرني بما جرى. فقد هاجموا منزل الرئيس عبدربه منصور
هادي، وفرضوا الإقامة الجبرية عليه وعلى ثلاثة من كبار المسؤولين: رئيس الحكومة، ووزير الدفاع، ورئيس جهاز الأمن القومي. ثم أجروا مناورات قرب منفذ البقع، واستولوا على منفذي علب وحرض وعسكروا هناك، وواصلوا زحفهم إلى باب المندب وخليج عدن، واجتاحوا عدن بهمجية لم تعرفها المدينة من قبل.
اتصل بي الصديق بعد خراب مالطا وقال: أرأيت؟ لقد فعلوها كلّها!
فأجبته: لقد وقعوا في الفخ؛ لن يعترف بهم أحد، والحرب واقعة لا محالة.
وبعد ذلك، وأمام صلفهم وعنجهيتهم، وصل الأمر ببعض جهابذة الفكر الحوثي إلى التهديد بالذهاب إلى مكة مسلحين، فانطلقت عاصفة الحزم، واندلعت الحرب التي ما زلنا في أتونها، والله وحده يعلم كم بقي لها وكيف ستؤول الأمور في وطننا العزيز.
واليوم يعيد صُنّاع القرار في صنعاء وصعدة، المنكوبتين بسلطة المليشيات الإرهابية، الأمور إلى نقطة الصفر. فقد حشدوا قواتهم نحو الساحل وباب المندب، وسقطت المخا ومناطق وجزر في أيديهم، ويه
اجمون العمق السعودي، ويواصلون استهداف مأرب، أهم معاقل الدولة الشرعية، بهجمات انتحارية مستميتة. ومن المرجح أن يذهبوا بالجنون نفسه إلى مهاجمة عدن، العاصمة المؤقتة للجمهورية اليمنية.
من الصعب أن يتخيّل عاقل أن القادمين من كهوف مرّان ومطرة ونقعة يستطيعون احتواء أزمة أو بناء دولة، فضلًا عن إدارة بلد بحجم اليمن، وإقامة حكم رشيد، ونسج علاقات مستقرة مع الجوار والعالم.
إنهم لا يفهمون أبجديات السياسة، ولا مصالح الدول، ولا مسؤولية إدارة شعب وبلد. لا يجيدون إلا لغة البندقية، ونشوة الزامل، وثقافة الموت، وتهشيم الدولة، وتهجير المواطنين. وهذا النوع من الجماعات يكتب نهايته برؤيته المغلقة ومفاهيمه المدمرة للسياسة والمواطنة والتعايش السلمي.
لسنا خائفين من انتصارهم في المخا وتنامي تهديداتهم؛ لأن مشروعًا يقوم على الموت والكراهية واستعداء الداخل والجوار والعالم محكوم عليه بالفشل. خوفنا أن يستمروا في تدمير ما تبقى من وطن ودولة، وإذلال شعب عظيم وتجويعه، ودفع اليمنيين إلى حروب جديدة لا يعرف أحد مداها ولا كلفتها.
إن المحصلة التي يجهلها الحوثيون هي أن انقلابهم سيسقط، وأن الدولة ستُستعاد، ولو على نهر محزن من الدماء. وستعود صنعاء وصعدة، بعد دمار مؤسف يصيب هاتين المدينتين العزيزتين، وسيعودون إلى كهوفهم، يتخطفهم الناس، وهذه المرة إلى مطرة ونقعة، على أحسن تقدير. وهذه معطيات واقعية، وليست تمنيات سطحية.
ويبقى السؤال المؤلم: كم سيدفع اليمن من الدم والدمار قبل أن يصل الحشاش
ون الجدد إلى نهايتهم المحتومة؟