دعونا نتوقف عن استغباء أنفسنا.
النيران التي تشتعل في باب المندب، ورفع مستوى الضربات على المملكة العربية السعودية لتطال العاصمة الرياض، هي إعلان وفاة رسمي لأكبر وهم سياسي ساد في الخليج لعقود.
حتى الأمس القريب كان هناك من لا يزال يراهن على أن تهدئة اللعب مع طهران، وتجنب الصدام، قد يحمي دول المنطقة من نيران الحرب الاميركية الإيرانية.
بل سادت سردية كانت تلوم الدول المعتدى عليها، وتُسائلها بشأن ما قد تكون فعلت لتستحق الغضب الإيراني!! وفي هذا السياق تعرض الموقف الإماراتي الصلب للكثير من النقد والتجريح والاتهام بفقدان الحكمة والروية.
وعليه فإن الدرس الحقيقي لأحداث الأسبوع الأخير ينسف الأماني بتحييد الذات عبر سياسات التهدئة والاسترضاء من جذورها. فما حدث هو رسالة استراتيجية تقول إن طهران تقرأ التهدئة ضعفاً، ولا تكافئ ضبط النفس بقدر ما تستغله وتستثمر فيه.
الخليج كله استنفد تماماً "الكتالوج" السياسي بأكمله مع إيران، ولم يحصد أي حصانة:
الإمارات: لم تقطع شريان التجارة يوماً، وظلت دبي نافذتهم الأهم على العالم، ولم توقف تعاملاتها إلا في صيف 2026 بعد أن تجدد الاستهداف المباشر لمصالحها، حين اهتزّ وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران.
عُمان: نصّبت نفسها "عرّاب الوساطة" بين إيران والولايات المتحدة وأبعد، وتكفلت على الدوام بأن تفتح كل باب يُغلق في وجه طهران.
قطر: راهنت على الشراكة في حقل الغاز المشترك بين البلدين، وحافظت على مساحة واسعة من التوافق السياسي مع طهران، لاسيما عبر خطاب قناة الجزيرة. وحتى حين اهتزّ هذا التوافق بعد الثورة السورية، ظلّ الملف الفلسطيني شعرة معاوية السياسية بين الدوحة وطهران.
الكويت: إختارت موقفاً أقرب إلى الحياد الاستراتيجي. فهي وإن لم تشذ عن التوافق الخليجي العام، نأت بنفسها عن المواقف العلنية المتصلبة بشأن الأدوار الإشكالية الإيرانية في الإقليم.
السعودية: ذهبت إلى أقصى البراغماتية السياسية واختارت، برعاية الصين، ان تنشىء إطاراً سياسياً لخفض التصعيد مع الجمهورية الإسلامية. ولعل زيارة الوفد السعودي للمشاركة في الجنازة المؤجلة للمرشد الإيراني علي خامنئي هي ابرز تجليات هذا الخيار السعودي بعدم استفزاز طهران، والحرص على مشاعرها الوطنية.
البحرين: وإن بدت من بعيد صوتاً حاداً بسبب جلافة التدخل الإيراني في شؤون المملكة، إلا أنها حرصت دوماً على ألا تكون مهندس الاشتباك الإقليمي أو رأس حربة في أي مواجهة شاملة، مكتفية بالتمترس تحت المظلة الاستراتيجية لحلفائها.
ماذا كانت النتيجة؟
لم تسلم أي دولة خليجية من العدوان الإيراني. المحرك الحقيقي لسلوك طهران كان دائماً داخل العقل الأمني الإيراني، الذي يدير شبكة وكلائه بمنطق واحد: الخليج رهينة للمصالح الاستراتيجية الإيرانية. أما سياسات العواصم الخليجية، تجارةً ووساطةً وتهدئةً، فلم تدخل في حساباته إلا فيما ندر.
درس باب المندب أثبت أن إيران تدير سياستها ببراغماتية متوحشة ووفق منطق لا يتصرف على قاعدة "من يصادقنا نتركه بسلام". بالنسبة لصانع القرار الإيراني، لا تناقض بين أن يجلس معك إلى طاولة المفاوضات صباحاً، ويوقّع اتفاقاً تجارياً ظهراً، ثم يعطي الأمر لوكيله بضرب مصالحك مساءً. الحساب الوحيد القائم في الذهن الإيراني هو حساب العائد والكلفة، في لعبة تختبر هوامش الضعف والقوة باستمرار.
لذلك تصرفت الإمارات دوماً بمنطق إسناد الديبلوماسية والانفتاح بمعادلة ردع صلبة، تظهَّرت بوضوح في الأداء العسكري الإماراتي الدفاعي والردعي ضد ايران، وهو ما دفع الرئيس الاميركي لوصف الشيخ محمد بن زايد بالمحارب.
يمكن لأي عاصمة أن تفتح لإيران أبواب الحوار وتفرش لها السجاد الأحمر للتجارة والوساطة وتجتهد لبناء توافقات سياسية، لكن إيران ستتحين الفرصة لاختبار حدود قوة وضعف جيرانها. وفي اللحظة التي تقرر فيها فعل ذلك، تسكت لغة الدبلوماسية تماماً، ويُعلق مصير الأطراف المعنية على سؤال واحد: هل ستدفع طهران ثمناً إذا تجرأت وإعتدت وماذا ستدفع بالتحديد؟
لذلك فإن الخيار الوحيد الذي أثبت جدواه هو أن تملك دول الخليج القدرة على إيلام من يؤلمها.