آخر تحديث :الأحد-20 سبتمبر 2026-11:50ص

*ماتت أمي الثانية.. ماتت أمي نور الضالعية*

الأحد - 20 سبتمبر 2026 - الساعة 10:47 ص
د. غسان ناصر عبادي



رحلت اليوم أمي الثانية، أمي نور الضالعية،

فرحل معها جزء جميل من طفولتي، وانطفأ نور من أنوار حياتي.


لم تكن أمي نور مجرد جارة لأسرتنا، ولم تكن علاقتي بها علا

قة طفل بامرأة تسكن بالقرب من منزلنا، كانت أمًا أخرى احتضنتني وأنا طفل، وربتني بمحبتها، ودافعت عني، واحتوتني، حتى ترسخت في وجداني صورة الأم التي لا تزال تسكن ذاكرتي إلى اليوم.


عندما انتقل والدي، رحمه الله، للسكن في أحد المنازل الصغيرة في حي منازل الشرطة بمدينة البريقة في محافظة عدن، كانت أمي نور جارتنا التي لا تتأخر عن زيارة والدتي.


كانت والدتي آنذاك شابة صغيرة، قدمت من ريف محافظة أبين، وكانت أمي نور أكبر منها خبرة بالحياة، فكانت تزورها باستمرار، وتنصحها، وتوجهها، وتقف إلى جانبها.


وفي إحدى زياراتها، اقترحت على والدتي أن تنتقل بالسكن إلى جوار أخيها، حيث كان المنزل أوسع وأفضل، وبجواره مبنى كبير كان يستخدم لعقد اجتماعات الحزب الاشتراكي بصورة شهرية.


نقلت والدتي الفكرة إلى والدي، وكان حينها ضابطًا أمنيًا في شرطة البريقة، فأعجب بالمنزل، وتنازل عن المنزل الضيق في حي الشرطة، وانتقلت أسرتنا إلى منزلنا الذي ارتبطت به أجمل ذكريات طفولتي.


لكن فضل أمي نور لم يتوقف عند مساعدتها لأسرتنا في اختيار المنزل، لقد أصبحت شريكة حقيقية لوالدتي في تربيتي وتربية إخوتي.


كنا أربعة أطفال، وكان ترتيبي الثالث بينهم، إلا أن أمي نور اختارتني بطريقة خاصة، وكانت تقول دائمًا:

ها، وكانت وا«غسان ابني»!


ومنذ ذلك الوقت، شعرت أن لي أمًا أخرى، كنت إذا تشاجرت مع أحد إخوتي أو تعرض لي أحد أبناء الحي، أذهب إليها مباشرة لأشتكي، فأجد عندها الأمان والانتصار والحنان.


وكانت تقول، بهيبتها المعهودة:

«من يقرب لابني غسان، سأكسر العصا من ظهره»!

وكنت أصدقها بكل براءة طفل، حتى إنني في كثير من الأحيان كنت أنسى أنها ليست أمي التي ولدتني، وأتعامل معها وكأنها أمي فعلًا.


كنت أحب الجلوس إلى جوارها، وأفرح بزيار

تلدتي عندما تذهب إليها تحمل معها القهوة باللبن، لأن أمي نور كانت تحب القهوة من يد أمي، وكنت أرافق والدتي إليها، فإذا حان وقت العودة إلى المنزل رفضت الذهاب، وأبكي وأقول:

«أنا سأبقى مع أمي نور»!


فتتركني والدتي معها حتى أنام، ثم تأخذني إلى المنزل، ربما كانت تلك المواقف بسيطة في زمنها، لكنها اليوم، بعد رحيل أمي نور، أصبحت من أثمن الذكريات التي أستعيدها من طفولتي.


كانت أمي نور امرأة ذات هيبة وحضور وكاريزما، لكنها خلف تلك الهيبة كانت تحمل قلبًا رحيمًا، وروحًا محبة للخير، ونفسًا لا تتردد في مساعدة الآخرين.


كانت تفعل الخير لوجه الله، وتترك أثرًا طيبًا في كل من عرفها، ولهذا لم يكن حبها مقتصرًا علي وحدي، بل كانت لها مكانة خاصة في قلوب أبناء الحي وأهله.


ومرت السنوات...

كبرت، وتزوجت، وأصبح لطفولتي بيت آخر وذكريات أخرى، لكن مكان أمي نور في قلبي لم يتغير، وذات يوم جاءت من الضالع لزيارة بيت أخيها، الذي كان جارنا، فذهبت والدتي وزوجتي للسلام عليها، وما إن رأت زوجتي حتى قالت لها، بنفس روحها التي عرفتها منذ طفولتي:

«أنتي زوجة ولدي غسان، انتبهي تزعليه، وإلا هذه العصا ستتكسر من رأسك»!

فضحكت والدتي وزوجتي، فردت زوجت

ي عليها قائلة:

«هذه هدية من ولدك غسان»!


ضحكنا جميعًا، ولم نكن نعلم أن مثل هذه اللحظات ستتحول يومًا إلى ذكريات أستعيدها باكيًا على فراقها.


اليوم رحلت أمي نور...

رحلت المرأة التي عرفتها وأنا طفل، والتي بقيت أمًا ثانية لي حتى آخر العمر، رحلت، لكن أثرها لم يرحل، رحلت صورتها، لكن صوتها لا يزال في ذاكرتي، رحلت عن الدنيا، لكن مواقفها معي ستبقى حاضرة ما بقيت حيًا.


رحمك الله يا أمي نور، فقد كنتي رحيمة، محبة، كريمة، وصادقة في محبتك.

أسأل الله أن يجعل كل ما قدمتيه من خير في ميزان حسناتك، وأن يغفر لك ويرحمك، وأن يجعل قبرك روضة من رياض الجنة، وأن يفتح لك أبواب رحمته ورضوانه، وأن يسكنكِ الفردوس الأعلى من الجنة.


لن أنساك ما حييت، وسأظل أذكرك في دعائي وصلاتي، وسأظل أقول لكل من يعرفني:

كانت لي أمان...

واحدة أنجبتني،

وأخرى احتضنت طفولتي...

واليوم فقدت الثانية.


إلى رحمة الله يا أمي نور الضالعية...

وإلى جنات الخلد يا أمي الثانية.



*الحزين على فراقك*

*ولدك د. غسان ناصر عبادي*