هل تنجح لحظة التوافق في تح
ويل تعدد القوى الحضرمية إلى وحدة قرار؟
بقلم: عدنان بن عفيف
ليست المشكلة في حضرموت أن الأصوات كثيرة، ولا أن المكونات متعددة، ولا حتى أن لكل قوة أو جماعة أو شخصية رؤيتها الخاصة لمستقبل حضرموت. فالتعدد في ذاته ليس أزمة، والاختلاف ليس عيبًا، بل قد يكون مصدر قوة حين يتحول إلى تنوع داخل إطار جامع.
ثم انقسام، ثم مبادرة جديدة، ثم تشكيك جديد.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى:
هل تريد حضرموت توحيد قرارها فعلًا، أم أنها لا تزال تبحث عن صيغة تجعل الجميع متفقين قبل أن تبدأ أصلًا؟
من التعدد إلى التشكيك
المشهد الحضرمي الراهن لا يخلو من مفارقة واضحة.المعضلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى تنازع على تمثيل حضرموت، وعندما يصبح التشكيك في كل جهد جامع مقدمةً لإفشاله، ثم يتحول إفشال الجهد الجامع إلى مبرر لولادة جهد آخر، وهكذا تدور حضرموت في الحلقة ذاتها: مبادرة، ثم تشكيك،
ففي الوقت الذي تتزايد فيه الدعوات إلى جمع الكلمة وتنسيق المواقف وتوحيد الرؤية، تتزايد أيضًا الأصوات التي تنظر إلى كل مسار توحيدي بعين الريبة، وتضع أمامه أسئلة مشروعة أحيانًا، وأخرى تنتهي عمليًا إلى تعطيل فكرة التوافق نفسها. والمشكلة ليست في طرح الأسئلة. بل إن السؤال والنقد والمراجعة والاعتراض حق أصيل، بل ضرورة لحماية أي مشروع عام من الاختلال. لكن الفارق كبير بين النقد الذي يريد تصحيح المسار، والتشكيك الذي ينتهي إلى إسقاط المسار كله. فإذا أصبحت كل محاولة لجمع الحضارم موضع اتهام مسبق، وكل شخصية مشاركة محل شبهة، وكل تفاهم قابلًا للتأويل السلبي، فإن النتيجة لن تكون مزيدًا من الشفافية، بل مزيدًا من التفكك. وهنا تحديدًا تتجاوز المسألة المجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى إلى سؤال حضرموت نفسها.
ماذا بعد 31 أغسطس؟
في 31 أغسطس الماضي انعقد في المكلا المؤتمر العام التأسيسي للمجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى، بمشاركة واسعة من قوى وشخصيات سياسية واجتماعية ومدنية، وانتهى المؤتمر إلى تزكية الدكتور سالم أحمد الخنبشي رئيسًا للمجلس، مع تفويضه باختيار وإعلان هيئة الرئاسة، بالتوازي مع إقرار مشروع سياسي ونظام أساسي وميثاق شرف ومجموعة واسعة من المخرجات. وكان اللافت أن الوثائق المؤسسة للمجلس لم تقدمه باعتباره بديلًا عن السلطة المحلية، بل نصت على أن يكون سندًا للسلطة المحلية والمؤسسات الرسمية والأهلية والمدنية، وأن يتحول التوافق السياسي إلى عمل مؤسسي وبرامج قابلة للتنفيذ. ثم جاءت الخطوة التالية بإعلان التوصل إلى صيغة توافقية نهائية لهيئة الرئاسة، بعد مشاورات ولقاءات مع أطراف وشخصيات حضرمية في
الداخل والخارج. وهذا التطور مهم؛ لأنه ينقل النقاش من سؤال: هل نجح الحضارم في الاجتماع؟ إلى سؤال أكثر صعوبة: هل سينجحون في العمل معًا؟ فجمع الناس في قاعة واحدة قد يكون إنجازًا سياسيًا، لكن تحويل ذلك الاجتماع إلى مؤسسة قادرة على اتخاذ موقف، وإدارة الاختلاف، وصناعة الرؤية، ومخاطبة الداخل والخارج، هو الاختبار الحقيقي.
الخنبشي أمام اختبار مختلف
أما الدكتور سالم الخنبشي، فإن التحدي أمامه لا يتعلق فقط بإدارة السلطة المحلية، بل بإدارة المسافة الدقيقة بين موقعه الرسمي كمحافظ وعضو في مجلس القيادة الرئاسي، وبين رئاسته لمجلس تنسيقي يراد له أن يمثل مساحة واسعة من التوافق الحضرمي. وهذه معادلة حساسة. فنجاحها يحتاج إلى أن تكون العلاقة بين السلطة المحلية والمجلس علاقة تكامل أدوار لا تداخل صلاحيات، وأن يبقى لكل طرف مجاله ومسؤوليته، وأن يكون المجلس مساحة لتجميع الرؤى وتنسيق المواقف، لا منصة لإقصاء مكون أو مصادرة حق المجتمع في الاختلاف. وفي المقابل، فإن نجاح المجلس لا يمكن أن يتحقق إذا ظل مجرد إطار سياسي جديد يضاف إلى قائمة الأطر الموجودة في حضرموت. فالناس لن تقيس نجاحه بعدد الأسماء التي اجتمعت تحت مظلته، بل بما يستطيع أن يفعله على الأرض: هل يساهم في تخفيف الاحتقان؟ هل يساعد في حماية الاستقرار؟ هل ينتج رؤية حضرمية واضحة؟ هل يدفع نحو تحسين الخدمات والتنمية؟ وهل يستطيع أن يجعل صوت حضرموت أكثر تنظيمًا في أي استحقاق سياسي قادم؟
لماذا عجزت حضرموت عن وحدة القرار؟
ربما لأن حضرموت لم تكن تفتقر إلى النخب أو المبادرات أو المكونات، بقدر ما كانت تفتقر إلى قاعدة متفق عليها لإدارة الاختلاف. كل طرف يريد أن يحتفظ بمساحته، وهذا طبيعي. لكن حين يصبح الاحتفاظ بالمساحة الخاصة أهم من بناء المساحة المشتركة، يصبح التعدد مصدر ضعف بدل أن يكون مصدر قوة. حضرموت واسعة جغرافيًا، ومتنوعة اجتماعيًا وسياسيًا، ولها مصالح متباينة بين الساحل والوادي والصحراء والهضبة، فضلًا عن امتداد مجتمعها خارج حدودها. ولهذا فإن اختزالها في صوت واحد بالقوة غير ممكن، كما أن تركها لأصوات متنافسة بلا إطار جامع ليس أقل خطورة. الحل إذن ليس في إلغاء التعدد. بل في إدارته. ليس المطلوب أن يصبح الحضارم نسخة سياسية واحدة، وإنما أن يتفقوا على الحد الأدنى الذي لا يجوز الاختلاف عليه: أمن حضرموت، واستقرارها، وحقوق أبنائها، وعدالة تمثيلها، وحماية مواردها، وتحسين حياة الناس، وامتلاك موقف واضح من أي تسوية سياسية تتعلق بمستقبلها.
التشكيك أم المراجعة؟
ربما تحتاج حضرموت اليوم إلى التمييز بين مفهومين اختلطا كثيرًا: المراجعة، والتشكيك. المراجعة تسأل: ما أوجه القصور؟ كيف نصححها؟ كيف نضمن التمثيل؟ كيف نمنع الهيمنة؟ كيف نحمي استقلال القرار؟ أما التشكيك فيبدأ غالبًا من نتيجة جاهزة: أن كل توافق مؤامرة، وكل اجتماع صفقة، وكل شخصية مشاركة تبحث عن مصلحة خاصة، وكل مشروع جامع يخفي وراءه مشروعًا آخر. إذا وص
ل الخطاب السياسي إلى هذه المرحلة، فلن يبقى مشروع قادرًا على الصمود. لأن أي مشروع يحتاج إلى النقد كي يتطور، لكنه يحتاج أيضًا إلى حد أدنى من الثقة كي يبدأ. وهنا تكمن مسؤولية النخب الحضرمية: أن تسأل دون أن تهدم، وأن تنتقد دون أن تفكك، وأن تراقب دون أن تجعل من الرقابة أداة لتعطيل كل محاولة للتقارب.
حضرموت لا تحتاج مزيدًا من المكونات بقدر حاجتها إلى قاعدة مشتركة
لقد أثبتت السنوات الماضية أن إنشاء جسم جديد ليس هو المشكلة، وأن إعلان إطار سياسي جديد ليس بالضرورة إنجازًا بحد ذاته. الإنجاز الحقيقي هو أن تستطيع الأطر الموجودة أن تتعايش، وأن تتكامل، وأن تعرف متى تختلف ومتى تتفق. ومن هنا فإن المجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى سيواجه سؤالًا لا يمكن تأجيله:
هل سيكون مظلة تجمع الموجود، أم مكونًا جديدًا ينافس الموجودين؟
الإجابة لن تأتي من البيانات، بل من الممارسة. فإذا استطاع أن يفتح أبوابه لمن يختلف معه، وأن يحترم من لا ينتمي إليه، وأن يتعامل مع السلطة المحلية كشريك مؤسسي، وأن يجعل حضرموت لا المجلس هي مركز اهتمامه، فقد يتحول إلى مساحة سياسية ذات معنى. أما إذا تحول إلى ساحة جديدة للصراع على المواقع والتمثيل، فسيكون قد أضاف طبقة جديدة إلى المشكلة التي جاء لمعالجتها.
ما الذي ينتظر حضرموت؟
المرحلة المقبلة قد تكون من أكثر المراحل حساسية في تاريخ حضرموت الحديث. ليس فقط بسبب التطورات الداخلية، وإنما لأن اليمن نفسه يتحرك في اتجاهات سياسية مفتوحة، ولأن أي تسوية مقبلة ستحتاج إلى قوى محلية قادرة على التعبير عن مصالحها بوضوح. وحضرموت لا تستطيع أن تدخل تلك المرحلة وهي تتحدث بعشرات الأصوات المتعارضة حول أبسط القضايا الأساسية. لكن وحدة القرار لا تعني إلغاء الخلاف. إنها تعني أن يكون هناك قرار مشترك في القضايا المشتركة، وحق محفوظ لكل مكون في الاحتفاظ بخصوصيته ورؤيته فيما عدا ذلك. وهذه هي الصيغة التي ربما تحتاج حضرموت إلى اكتشافها بدل البحث عن "إجماع كامل" لن يأتي.
حضرموت أولًا... ولكن كيف؟
الشعار وحده لا يكفي. "حضرموت أولًا" لا ينبغي أن يكون مجرد عبارة سياسية، بل معيارًا لقياس المواقف. أي موقف يزيد قدرة الحضارم على حماية مصالحهم يجب أن يُناقش بجدية. وأي خطوة تقلل من قدرة المجتمع على التفاهم ينبغي مراجعتها. وأي خلاف يمكن حله داخل البيت الحضرمي لا ينبغي أن يتحول إلى صراع خارجي. وأي مكون يرى نفسه جزءًا من حضرموت يجب أن يشعر بأن له مكانًا في مستقبلها، لا أن مستقبله يتوقف على انتصاره على الآخرين. فحضرموت لا تحتاج إلى طرف حضرمي ينتصر على طرف حضرمي آخر. تحتاج إلى حضارم ينتصرون لفكرة حضرموت. وهذا هو الفارق بين التنافس الذي يصنع التوازن، والتنافس الذي يصنع التفكيك.
الاختبار الحقيقي بدأ الآن
ربما كان 31 أغسطس يومًا مهمًا، لكنه ليس يوم الحسم. الحسم يبدأ عندما تتحول المخرجات إلى أفعال، والتوافق إلى مؤسسة، والبيانات إلى برامج، والشعارات إلى نتائج. وقد حملت مخرجات المؤتمر بالفعل تكليفات تتعلق بتحويل ما تم الاتفاق عليه إلى خطة تنفيذية وبرامج وأولويات وآليات متابعة وتقييم. وهنا سيكون الحكم للتجربة نفسها. فإن نجح المجلس في أن يكون جسرًا بين المكونات، وأن يدعم الاستقرار والتنمية، وأن يمنح حضرموت قدرة أكبر على التعبير عن مصالحها، فسيكون التوافق قد بدأ يأخذ معنى عمليًا. وإن تحول إلى ساحة أخرى للتجاذب، فإن مشكلة حضرموت لن تكون في نقص المبادرات، وإنما في عجز النخب عن حماية أي مبادرة من الانقسام. في النهاية، ليست المعركة الحقيقية بين "مع" و"ضد" هذا المجلس أو ذاك. المعركة الأعمق هي بين منطق التفكيك ومنطق التوحد. والتوحد الحضرمي لا يعني أن يتفق الجميع على كل شيء، وإنما أن يعرف الجميع أن هناك أشياء أكبر من خلافاتهم. أكبر منها: حضرموت. فإذا كانت حضرموت قد وصلت اليوم إلى لحظة تملك فيها فرصة لجمع قواها حول رؤية مشتركة، فإن أكبر خطر عليها ليس اختلاف أبنائها، بل أن يتحول الاختلاف إلى سبب دائم لرفض كل محاولة للتقارب. وعند
ها لن تكون المشكلة في غياب القرار الحضرمي فقط، بل في استحالة صناعته. أما إذا استطاعت النخب والقوى والمكونات أن تتعلم أخيرًا أن الاختلاف يمكن أن يعيش داخل التوافق، وأن النقد يمكن أن يحمي الوحدة بدل أن يهدمها، وأن تعدد الأصوات يمكن أن يتحول إلى قوة حين يجتمع حول هدف واحد، فقد تكون حضرموت أمام فرصة حقيقية للانتقال من سؤال: "من يمثل حضرموت؟" إلى السؤال الأهم: ماذا تريد حضرموت؟ وعندها فقط يبدأ الحديث عن قرار حضرمي قادر على أن يُسمع في الداخل، ويُحترم في الخارج.