آخر تحديث :الأحد-20 سبتمبر 2026-11:50ص

من البازلة إلى كهبوب والوازعية.. هل تتشكل جبهة جديدة في اليمن؟

الأحد - 20 سبتمبر 2026 - الساعة 09:15 ص
محمد خالد الحسيني


ليست كل قمة جبلية مجرد ارتفاع في الجغرافيا، ولا كل موقع عسكري يُقاس بمساحته، ففي الحرب اليمنية، قد تختصر قمة صغيرة معنى معركة كاملة؛ لأنها تمنح من يسيطر عليها عيناً أعلى، ونيراناً أبعد، وقدرة أكبر على التحكم في الحركة والإمداد.

من هنا تكتسب استعادة جبل البازلة وموقعي الضهورة والصيبارا في جبهة الأغبرة بالصبيحة أهميتها، فالمكسب، وإن بدا تكتيكياً في ظاهره، تحقق في منطقة حساسة تتقاطع فيها جبهات لحج وتعز مع المحاور المؤدية إلى باب المندب.

لكن أهمية البازلة لا تكمن في القمة وحدها، بل في ما يمكن أن يُبنى عليها.

فالسيطرة على المرتفع هي بداية المعركة وليست نهايتها، والقيمة الحقيقية تظهر عندما تستطيع القوات تثبيت الموقع، وحماية خطوط الإمداد، وصد الهجمات المضادة، وتحويل القمة من نقطة دفاع إلى منصة ضغط على المواقع المجاورة.

وهنا يصبح المشهد أوسع من البازلة .. فالمواجهات الممتدة من الصبيحة والمضاربة إلى الوازعية وكهبوب، بالتوازي مع النشاط العسكري في مأرب، تشير إلى أن خطوط التماس تتحرك ضمن شبكة مترابطة من الجبهات، لا في معارك منفصلة.

وإذا أمكن تثبيت المكاسب الجديدة وربطها بالمحاور المجاورة، فقد يتحول التقدم المحدود إلى ضغط ميداني أوسع.

أما إذا نجحت الهجمات المضادة في استعادة المواقع سريعاً، فسيبقى الأمر في إطار كرّ وفرّ لا يغيّر قواعد الحرب.

وتزداد حساسية المشهد كلما اقترب من باب المندب؛ فالجغرافيا هنا تتجاوز الحساب اليمني الداخلي لتلامس أمن الملاحة والتجارة الدولية، ولذلك فإن أي تغير عسكري مستدام في هذه المنطقة لن يبقى مجرد خبر من أخبار الجبهات.

وفي المقابل، فإن إبقاء أكثر من جبهة نشطة قد يصبح جزءاً من معادلة الصراع؛ إذ إن تحريك جبهة موازية يمكن أن يحد من قدرة الخصم على تركيز قوته في اتجاه واحد.

ومن هذه الزاوية، تبدو مأرب وتعز والساحل الغربي أقل انفصالاً عما يجري في لحج وتعز مما قد توحي به الخريطة.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس: من سيطر على البازلة؟

بل: من يستطيع الاحتفاظ بها؟

فالحرب لا تحسمها لحظة رفع العلم فوق قمة، وإنما القدرة على تحويل المكسب إلى واقع ثابت، والموقع الذي لا تحميه خطوط إمداد متماسكة وعمق عسكري وسيطرة مستدامة، قد يتحول سريعاً من مكسب إلى عبء.

لذلك، لا يكفي ما حدث اليوم للقول إن ميزان الحرب قد انقلب، لكنه يكشف مؤشراً يستحق المتابعة: خطوط تماس بدت طويلاً جامدة بدأت تتحرك من جديد.

والأيام المقبلة ستكشف ما إذا كان ذلك مجرد اهتزاز محدود في خطوط الجبهة، أم بداية إعادة رسم تدريجية لخريطة القتال من الصبيحة والمضاربة إلى الوازعية وكهبوب ومأرب.

في النهاية، ليست المعركة على الجبل وحده؛ إنها معركة على الطريق الذي خلفه، والممر الذي أمامه، والقدرة على تثبيت الأرض بعد انتزاعها.

ولهذا، قد لا تكون البازلة نهاية القصة، لكنها قد تكون واحدة من العلامات التي تقول إن فصلاً جديداً من الحرب اليمنية ربما بدأ يُكتب.