كانت صنعاء نائمة، قبل أن يقطع سكون الليل دويّ الانفجارات وصوت الطائرات المسيّرة وتحليقها المكثف فوق العاصمة.
وفي دقائق، تحولت الأحياء الهادئة إلى سماء مفتوحة على احتمالات عدة، بينما فتحت المضادات الأرضية نيرانها، وبدأت الروايات تتسابق حول ما حدث في الساعات التي سبقت فجر يوم الجمعة .. بموجة من الروايات المتضاربة حول ما جرى ليلًا.
المؤكد حتى الآن أن طائرات مسيّرة حلّقت فوق عدد من أحياء صنعاء، بينها سعوان والحصبة، وأن الدفاعات الجوية الحوثية أطلقت النار باتجاهها.
وأفاد سكان بسماع انفجارات وإطلاق نار كثيف قبل الفجر، فيما لم تتضح في البداية هوية الطائرات أو الجهة التي أطلقتها.
لكن رواية أخرى سرعان ما بدأت بالانتشار، تتحدث عن إنزال مظلي لقوة خاصة داخل العاصمة وتنفيذ تحرك خاطف استهدف غرفة عمليات تضم قيادات حوثية وعناصر إيرانية، مع مزاعم عن مقتل أو اعتقال عدد من الأشخاص.
حتى الآن، لا تتوافر أدلة مستقلة كافية تثبت هذه الرواية، فلا توجد، وفق المعلومات المتاحة، صور موثوقة لموقع إنزال، أو توثيق مستقل لتحرك قوة برية داخل صنعاء، أو أسماء مؤكدة للقيادات التي قيل إنها استُهدفت.
كما أن حجم الخسائر البشرية المرتبطة بهذه الرواية لا يزال غير واضح .. في المقابل، توجد معطيات أكثر تحديدًا بشأن النشاط الجوي.
فقد أفادت منصة شيبا إنتلجنس، نقلًا عن مصدر عسكري، بأن قوات الحكومة اليمنية نفذت منذ ما قبل الفجر سلسلة ضربات حول صنعاء، استهدفت مواقع للدفاع الجوي ومخازن أسلحة ومنشآت مرتبطة بقدرات الحوثيين في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة.
وقالت المنصة إن الضربات شملت مناطق جبلية حول العاصمة، بينها عيبان ونقم، والأكثر لفتًا للنظر كان الحديث عن استخدام مسيّرة هجومية من طراز SKYWASP.
وبحسب تحليل شيبا إنتلجنس، فإن الطائرة التي ظهرت فوق صنعاء جرى التعرف إليها على أنها من طراز SKYWASP، وهي مسيّرة هجومية بعيدة المدى.
وإذا تأكد هذا التعرف بشكل مستقل، فسيكون ذلك مؤشرًا على انتقال هذه المنظومة من مرحلة العرض والقدرات المعلنة إلى الاستخدام القتالي.
ومع ذلك، تقول المنصة نفسها إنها لم تتمكن بصورة مستقلة من التحقق من حجم الأضرار أو من جميع المواقع التي قيل إنها تعرضت للقصف، وهنا تظهر أهمية ليلة صنعاء.
فحتى من دون إثبات رواية الإنزال البري، فإن مجرد وصول مسيّرات هجومية إلى المجال الجوي فوق العاصمة، وتحليقها في مناطق تخضع لإجراءات دفاع جوي مشددة، يطرح أسئلة حول قدرة الحوثيين على اكتشافها واعتراضها.
لكن تحويل هذه المعطيات إلى استنتاج بأن العملية كانت تمهيدًا لإنزال أو جزءًا من هجوم بري أكبر يبقى سابقًا لأوانه.
أما الجانب الحوثي، فقد أعلن أن ما وصفه بمحاولات إجرامية استهدفت صنعاء قد أُفشل، واتهم السعودية بالوقوف وراءها، من دون أن يقدم في البيان المتاح تفاصيل تثبت حدوث إنزال مظلي أو عملية برية داخل العاصمة.
كما لم يصدر، في حينه، تعليق سعودي يثبت هذه الاتهامات أو ينفي تفاصيلها، وبذلك يمكن تقسيم المشهد إلى مستويين: المستوى الأول: حدث عسكري له مؤشرات متعددة. تحليق مسيّرات فوق صنعاء، إطلاق دفاعات جوية، وانفجارات سُمعت في عدة أحياء، إلى جانب تقارير عن ضربات استهدفت مواقع عسكرية حوثية حول العاصمة.
المستوى الثاني: رواية عملياتية لم تُحسم بعد، إنزال مظلي، قوة خاصة داخل صنعاء، غرفة عمليات، قيادات حوثية وخبراء إيرانيون، وعمليات قتل أو اعتقال.
وهذه التفاصيل الأخيرة تحتاج إلى أدلة مستقلة قبل التعامل معها باعتبارها وقائع مؤكدة، لذلك، ربما يكون السؤال الأدق ليس: هل وقع إنزال مظلي في صنعاء؟
بل: ما طبيعة العملية الجوية التي سبقت الفجر، وما الذي كانت تستهدفه تحديدًا؟ هل كانت ضربة محدودة ضد مواقع دفاع جوي وصاروخي؟
هل كانت محاولة لاختبار منظومة الدفاعات الحوثية وكشف نقاط ضعفها؟ هل استهدفت مراكز قيادة وسيطرة؟ أم أنها كانت جزءًا من عملية أوسع لم تظهر جميع تفاصيلها بعد؟
المعطيات المتاحة حتى الآن تسمح بإثبات بعض هذه الأسئلة، لكنها لا تسمح بحسمها كلها، ولهذا تبقى ليلة صنعاء واحدة من تلك العمليات التي كان صوت الانفجارات فيها أوضح من حقيقة ما جرى خلفها.
أما قصة الإنزال والقيادات المستهدفة والاعتقالات والتصفيات، فما زالت بحاجة إلى الدليل.
وفي الحروب، قد يكون الفارق بين الخبر والحقيقة مجرد صورة واحدة، أو اسم واحد، أو موقع واحد يمكن التحقق منه.
محمد خالد الحسيني