آخر تحديث :الأحد-20 سبتمبر 2026-11:50ص

البيان الذي وضع الساحل الغربي أمام الحقيقة

السبت - 19 سبتمبر 2026 - الساعة 05:02 م
عبدالله الجفري


عندما يكون المكون الوطني قريباً من قضايا الشعب، فإن مواقفه تظهر في الأزمات، لا في أوقات الاستقرار فقط.


وعندما تتعرض البلاد لخسارة عسكرية، ويسقط الشهداء والجرحى، ويؤسر المقاتلون، وتُهجّر الأسر من مناطقها، فإن الصمت لا يكون موقفاً، كما أن البيانات التي تكتفي بالمواساة لا تكفي.


وفي مثل هذه الأحداث، تظهر قيمة المواقف التي تتجاوز التعبير عن الأسى إلى قراءة ما جرى، وتشخيص مكامن الخلل، وطرح ما يجب فعله لتجاوز نتائجه.


ومن بين المواقف التي تستحق التوقف أمامها ما صدر عن الائتلاف الوطني الجنوبي بشأن تطورات الساحل الغربي، لما تضمنه من قراءة لما حدث، ومطالب مرتبطة بمعالجة تداعياته وأسبابه.


فالبيان لم يتعامل مع سقوط المخا ومناطق أخرى على امتداد الساحل وصولاً إلى مضيق باب المندب باعتباره مجرد خسارة عسكرية عابرة، بل وضع أمام القيادة السياسية والعسكرية قضايا تتعلق بمسار المعركة، وما ترتب عليها من نزوح وانتهاكات ومعاناة إنسانية.


وهنا تبرز أهمية ما ورد فيه من دعوة إلى إعادة ترتيب الصفوف، وتوحيد القيادة والقرار الميداني، ودمج مختلف التشكيلات المسلحة ضمن القوات المسلحة والأمن، إلى جانب استعادة المخا ومناطق الساحل الغربي.


وهي مطالب تعكس خللاً واضحاً كشفت عنه الأحداث، في ظل تعدد التشكيلات وتباين مراكز القرار، وما يترتب على ذلك من إرباك في إدارة المعركة وتشتت في المسؤولية.


ومن هذه الزاوية، فإن استعادة ما فقدناه تظل هدفاً أساسياً، لكن الوصول إليها يتطلب معرفة كيف حدث الانهيار، وما الذي سبق السقوط، وأين كانت مكامن الخلل، ومن كان مسؤولاً عن القرار والتقدير والتنفيذ.


كما أن المرحلة القادمة تحتاج إلى قيادة جديدة قادرة على استعادة المبادرة وإدارة المعركة بفاعلية، قيادة تقوم على الكفاءة والخبرة والقدرة على تحمل المسؤولية، لا على إعادة تدوير القيادات التي أثبتت الأحداث عدم قدرتها على إدارة المرحلة.


فاستمرار الاعتماد على من ثبت فشله في أداء مسؤولياته لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأخطاء نفسها، مهما تغيرت المواقع والعناوين.


ومن هنا تبرز أهمية الدعوة إلى تشكيل لجنة تحقيق مستقلة، تتوافر في أعضائها الكفاءة والخبرة والنزاهة والحياد، ولا يكون لأعضائها ارتباط مباشر بالقرارات أو الوقائع محل التحقيق، مع منحها صلاحية الاطلاع على الوثائق وسماع الشهادات وتحديد أسباب الخسارة والمسؤوليات المترتبة عليها، على أن تكون بعيدة عن أي تأثير من الأطراف المعنية، وأن تستفيد من المعلومات والوقائع المتوافرة لدى جميع المشاركين في المعركة، بما في ذلك تحالف دعم الشرعية، للوصول إلى حقيقة ما حدث وتحديد المسؤوليات بموضوعية.


فالتحقيق الجاد لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة للبحث عن كبش فداء، وإنما إلى طريق للوصول إلى الحقيقة، وتحديد المسؤوليات، والتمييز بين الخطأ في التقدير والتقصير والإهمال، وأي مسؤولية أخرى قد تكشف عنها نتائجه.


وبعد ذلك يكون القانون هو الفيصل، حتى لا تتحول الخسارة إلى ملف مؤجل وتتكرر الأخطاء في جبهة أخرى.


فالخسارة العسكرية ليست أرقاماً ومواقع ومعدات فقط.


وراء كل شهيد أسرة، ووراء كل جريح حياة تغيرت، ووراء كل أسير عائلة تنتظر، ووراء كل نازح منزل تركه مضطراً.


ولهذا فإن ما أورده البيان بشأن النازحين لا يقف عند حدود الإشارة إلى معاناتهم، بل يلفت إلى ضرورة الاهتمام بأوضاعهم، وتوفير احتياجاتهم، وترتيب أوضاعهم بما يحفظ كرامتهم وحقوقهم، ويخفف من آثار النزوح الذي فرضته تداعيات المعارك عليهم.


فالإنسان الذي فقد منزله وأمنه بسبب الحرب لا يحتاج إلى أن يُذكر في البيانات فقط، وإنما يحتاج إلى أن يرى أثراً حقيقياً لما يقال عنه على أرض الواقع.


فبيان الائتلاف الوطني الجنوبي، برئاسة الشيخ أحمد صالح العيسي، يطرح بهذا الموقف رؤية تتجاوز التعليق على الحدث إلى التعامل معه باعتباره أزمة تحتاج إلى مراجعة ومعالجة.


وهذه النقطة تحديداً تجعل البيان جديراً بالقراءة والنقاش، لأن الأزمات الكبيرة لا تحتاج إلى بيانات مواساة فقط، وإنما إلى مواقف تضع مكامن الخلل أمام أصحاب القرار.


والسؤال اليوم ليس فقط: كيف نستعيد المخا والساحل الغربي؟


بل كيف وصلنا إلى هذه النتيجة، وكيف نضمن ألا تتكرر؟


فاستعادة الأرض تحتاج إلى قيادة واضحة وقرار موحد وإدارة عسكرية قادرة على التعامل مع المعركة، كما تحتاج إلى مراجعة حقيقية لما حدث، ومساءلة من تثبت مسؤوليته، وإصلاح الخلل الذي أدى إلى الخسارة.


ولهذا فإن بيان الائتلاف الوطني الجنوبي، بما حمله من وضوح في تشخيص ما جرى، وشجاعة في طرح القضايا التي لا ينبغي تجاوزها، يمثل موقفاً يستحق أن يُسمع على نطاق أوسع، وألا يبقى أسير التداول المحلي.


ومن المهم أن يصل هذا البيان وما تضمنه من وقائع ومطالب إلى دول تحالف دعم الشرعية بقيادة المملكة العربية السعودية، وإلى المجتمع الدولي وكل الجهات المعنية، حتى تكون حقيقة ما جرى في الساحل الغربي، وما ترتب عليه من خسائر بشرية وميدانية وإنسانية، حاضرة أمام الجميع، وحتى لا تُترك القضية للتبرير أو الصمت، ثم تطوى كما طويت وقائع وخسائر سابقة دون أن تُعرف الحقيقة كاملة أو تُحدد المسؤوليات بوضوح.


والمطلوب الآن ألا يمر ما حدث في الساحل الغربي كما مرت أحداث سابقة، ثم لا يبقى منه سوى الذكريات المؤلمة والأسئلة المؤجلة.


فالقضية اليوم لم تعد مجرد خسارة ميدانية انتهت بانتهاء المعركة، بل اختبار حقيقي لقدرة أصحاب القرار على مواجهة الحقيقة، وتحمل المسؤولية، وتحويل ما حدث إلى مراجعة وإصلاح يمنعان تكرار المأساة.


وهنا يبقى السؤال الأهم: هل ستتحول هذه المطالب إلى إجراءات عملية، أم يضاف بيان الائتلاف الوطني الجنوبي إلى بيانات وقضايا سابقة انتهت دون أن تصل الحقيقة كاملة إلى الرأي العام؟