بقلم / د. هبة العيدروس
كانت نقابتنا ذات يوم اسمًا يُهاب، وصوتًا يُسمع في أروقة القضاء والسياسة، وحصنًا يحتمي خلفه كل محامٍ من تعسف السلطة. فماذا بقي من ذلك الحصن اليوم؟ هذا السؤال المؤلم يضعنا أمام استحقاق المؤتمر العام الرابع، ليس بوصفه موعدًا تنظيميًا عابرًا، بل بوصفه فرصة لاستعادة نقابة تستحق أن تحمل اسمها. فالمحاماة، في جوهرها، ليست حرفة كسب، بل رسالة دفاع عن الحق والحرية، وحين تضعف نقابتها تضعف معها منظومة العدالة كاملة، والمشاركة في هذا المؤتمر ليس خيارًا تنظيميًا بل واجبًا مهنيًا وأخلاقيًا على كل من يحمل صفة "محامٍ".
فلم تكن هذه النقابة يومًا كيانًا هامشيًا، بل كانت قبل وخلال التسعينات في طليعة المواقف الوطنية والمهنية، غير أن ذلك الدور بدأ ينكمش تدريجيًا منذ الألفية تحت وطأة تجاذبات سياسية وأمنية لم تكن المهنة طرفًا فيها، لكنها دفعت ثمنها، حتى بات كثير من المنتسبين يشعرون اليوم أن لا سند لهم سوى أنفسهم. والنتيجة الأخطر لهذا التراجع ليست ضعف الأداء المؤسسي فحسب، بل تفتت الإحساس الجماعي؛ فبدلًا من أن يكون الانتماء للنقابة مصدر قوة وحماية، صار كثير من المحامين والمحاميات يواجهون استحقاقاتهم بمفردهم، وكأن لا رابط حقيقي يجمعهم بنقابتهم سوى رسوم الاشتراكات.
ومن الإنصاف أن نعترف، لا من باب جلد الذات بل النقد الموضوعي، أننا شاركنا في صناعة هذا الواقع بصمتنا وبالمواقف الرمادية تجاه المؤتمر، والتأخر في سداد الاشتراكات التي قد تعطل الحق في التصويت، وغياب الوضوح المسبق حول مرشحي مواقع القرار، كل ذلك يغذي شعورًا مبطنًا بأن النتائج محسومة وأن التكرار قادم لا محالة. لكن الحياد أمام قضية تمس مصير المهنة ليس موقفًا محايدًا، بل انحياز في جوهره للأمر الواقع، ومن يصمت اليوم لا يملك أن يشتكي غدًا.
ومن هنا، يجب أن تنطلق من عدن، ومحاميها ومحامياتها الذين عايشوا هذا الواقع عن قرب، رسالة واضحة برفض استمرار التأثيرات التي لا تخدم مصلحة المهنة الجماعية، والدفع الجاد نحو تغيير حقيقي وجذري.
ولترجمة هذا الرفض إلى فعل، لا بد أن يكون معيار الاختيار، من أثبت حضوره في الميدان القضائي، ومن عُرف بسمعته الطيبة ونزاهته أمام زملائه قبل خصومه، ومن وقف فعليًا مع همّ المحامين في محنهم سواء على الصعيد العملي أو الشخصي لا من يتحرك وقت الاستحقاق الانتخابي. فالشخصية التي تستحق التمثيل هي من تحمل رصيدًا مهنيًا وأخلاقيًا متراكمًا، إذ الثقة تُكتسب بالفعل المتكرر لا بالمجاملة. والغاية من هذا كله تمهيد الطريق لبديل ممكن يحقق للجميع نقابة مستقلة فعلًا، ترفض الإملاءات الخفية، يتساوى فيها جميع المنتسبين في الحقوق والواجبات، وتكون درعًا حقيقيًا لكل محامٍ ومحامية دون استثناء.
ولن يتحقق هذا الحلم بالتمني، بل بالمشاركة الفاعلة والاختيار الواعي وكسر جدار الصمت الذي طال أمده، فالمؤتمر الرابع فرصة، والفرصة لا تُمنح مرتين.