آخر تحديث :السبت-19 سبتمبر 2026-12:10م

إعادة اختراع اليمن الكبير واليوم التالي: نحو يمن جديد رباعي القوة

السبت - 19 سبتمبر 2026 - الساعة 08:50 ص
د.باسم المذحجي


هذه قراءة بنيوية مغايرة للمشروع الحوثي، تتجاوز التوصيف السائد كجماعة مذهبية، لتعرّفه كمشروع تحوّل من خلاف إداري-سلطوي مع نظام جمهوري داخل النسيج الزيدي نفسه في صعدة، إلى مشروع تطهير سياسي واجتماعي وعرقي عابر للحدود مدعوم إقليميًا.

وتوضح أن الفئة العمرية التي تعرضت لعملية تعبئة أيديولوجية مكثفة بين 2015-2026، والتي يقدر عمرها اليوم بـ 17 سنة، تمثل تهديدًا أمنيًاعابرًا لليمن إلى باب المندب وقناة السويس والقرن الأفريقي، ما يستدعي تفعيل معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي بين دول الجامعة العربية الموقعة بالإسكندرية في 17 يونيو 1950 كإطار قانوني وحيد للتحرير والتكامل.

《نموذج "اليمن الجديد رباعي القوة" لتحويل التهديد إلى فرصة: "تمويل خليجي + خبرة مصرية + جغرافيا يمنية عبقرية + حاضنة شعبية 90%" في مقاطعة عربية خاصة مغلقة في مثلث ذوباب - ميون -الصبيحة- الحجرية.》

أولًا :التحليل البنيوي - من الخلاف الإداري إلى التطهير العرقي.

1. الأصل الإداري للصراع: تشير المعطيات الميدانية إلى أن الصراع الأولي بين الحركة الحوثية ونظام علي عبدالله صالح لم يكن صراعًا عقديًا.، بل كان صراعًا على إدارة السلطة داخل الحاضنة الجغرافية والمذهبية ذاتها. استخدمه صالح كأداة انتقام من خصومه السياسيين في 2004-2011، والخلاف كان على من هو المدير ومن هو نائبه.

2. نقطة التحول - الأدلجة العابرة: مع دخول الدعم الإقليمي الهيكلي، تحول الخلاف الإداري إلى مشروع أيديولوجي يستخدم مبدأ التقية السياسية - إظهار خطاب وطني وممارسة أجندة عابرة - ويستخدم الدين كوسيلة تعبوية لغاية سياسية. تجلى ذلك في شعارات اختزالية - الموت لأمريكا - بينما الممارسة الفعلية هي تصفية النسيج الوطني اليمني نفسه، بما في ذلك حلفاء الأمس التي كانت جزءًا من نفس النسيج وقضي عليها لأن المشروع تجاوز فكرة السلطة المحلية إلى أجندة إقليمية.

3. تعطيل الدولة كآلية سيطرة: اعتمد المشروع على استراتيجية ممنهجة لتعطيل ركائز الدولة - التعليم والصحة والإنتاج و فاتورة الرواتب والخدمات- لخلق فراغ يدفع الفئات الشابة نحو التعبئة في حوزات أيديولوجية بديلة تقدم خطابًا مؤدلجًا يصور الآخر كافرًايحتكر الحقيقة، ويوجه العداء نحو عدو خارجي وهمي لتبرير التصفية الداخلية.

ثانيًا: الجيل المعبأ 2015-2026 - تحليل جيلي مقارن.

المقارنة البنيوية للتنشئة:

- في النموذج المصري - "مكتبة مصر العامة" نموذجاً - يخضع الطفل لتنشئة تقوم على اكتساب اللغات والعلوم والمواطنة والحضارة والرقي والعلو والسوؤدد، يتعلم آخر الدروس في اللغات ومهارات الحاسوب، وينظف دماغه بأحدث كتب العلم والثقافة، لينتج مستقبلًا مهندسًا وطبيبًا وباحثًاوحاملاً لقيم المواطنة فاعلاً في سوق العمل العالمي يشرف بلده.

- في مناطق سيطرة الحوثي 2015-2026، خضع جيل كامل لتنشئة معاكسة تقوم على ثقافة الموت، بلا مهارات علمية أو لغوية، وتعطيل كامل للتعليم والصحة والتنمية وترك الأطفال بلا هدف، مما أنتج فئة عمرية بعمر 17 سنة اليوم لا تؤمن بالعلم كمحدد للصعود الاجتماعي، بل تؤمن أن كل الناس كفار وهي فقط على حق وستذهب للجنة.

هذا الجيل هو ثمرة الانقلاب 2014. بدأت ثماره بالظهور منذ 2020 في عمليات التجنيد والقتال. وفقًا للتحليل الاستشرافي، فإن الدفعة الثانية من هذا الجيل التي يتم إعدادها حاليًا لن تنحصر جغرافيًا في اليمن، بل ستشكل تهديدًا عابرًا للحدود نحو باب المندب وقناة السويس وشمال أفريقيا والقرن الأفريقي، كونها لا تحمل أجندة تنموية بل أجندة صراعية.

ثالثًا: استراتيجية التمزيق المرحلية - من الجغرافيا إلى الطائفة.

اتبع المشروع استراتيجية مرحلية واضحة:

المرحلة الأولى: التمزيق الجغرافي - شمال وجنوب:تم استقطاب فئات جنوبية وتغذية خطاب انفصالي بدعم إقليمي، بهدف تقسيم اليمن الكبير إلى كيانين متنافرين. نجحت هذه المرحلة في خلق حالة استقطاب حاد مزقت النسيج الاجتماعي.

المرحلة الثانية: التمزيق الطائفي - المرحلة الراهنة: بعد تجاوز الانفصالية، انتقل المشروع إلى مناطق الساحل الغربي و تعز والحجرية والمضاربة ورأس العارة ولحج - ما يعرف باليمن الأسفل أو الجنوب. هذه المرحلة ذات طابع طائفي وتصفوي تستهدف كل من يؤمن بالوحدة والتكامل العربي والاستثمار.

تصحيح مفاهيمي هام: تروج أدبيات الحوثي أن مناطق الساحل الغربي و الحجرية والتربة والمقاطرة والقبيطة وتعز وبقية محافظات جنوب اليمن مناطق تابعة لتيار سياسي واحد. التحليل السوسيولوجي الميداني ينفي ذلك قطعًا. هذه المناطق ذات تركيبة تعددية - اشتراكيون وبعثيون ومؤتمريون ويمين ويسار - وهي حاضنة تاريخية للتنوير اليمني. فيها أقدم سينما في اليمن - سينما مدينة التربة في الحجرية - ومنها الفضول مؤلف النشيد الوطني "رددي أيتها الدنيا نشيدي" ومعظم الأغاني الشعبية، وهي مناطق غناء وطرب وخضرة وزراعة واستجمام، تمثل النخبة الأكاديمية في تعز والحجرية هي عنوان اليمن الكبير و استهدافها هو استهداف للتنوع اليمني نفسه ورغبة في تحويلها إلى نموذج تخريبي.

رابعًا: الخطر الاستراتيجي على الأمن القومي العربي - قراءة استباقية.

المنطق التوسعي للمشروع لا يتوقف عند باب المندب. التجربة تشير إلى أنه خلال عشر سنوات انتقل من صعدة إلى باب المندب. وفقًا لنموذج الانتشار، فإن خمس سنوات كافية لانتقال التهديد إلى قناة السويس عبر آلية الابتزاز البحري.

آلية التهديد لا تتطلب احتلالاً، بل مجرد إعلان وبلاغ بحري بعدم صلاحية الملاحة، أو إطلاق صاروخ واحد، كفيل برفع تأمينات لويدز 300% وإيقاف 12% من تجارة العالم و30% من تجارة أوروبا، وهو ما اكتوت به المملكة العربية السعودية وسيكتوي به الأمن القومي المصري المباشر.

هذا يمثل أمنًا قوميًا استباقيًا يتطلب تدخلاً وقائيًا قبل أن يصل التهديد إلى قناة السويس.

خامسًا: السند القانوني - تفعيل معاهدة الدفاع المشترك 1950.

إن الحل القانوني الوحيد الذي يحول التدخل من تدخل في الشأن الداخلي إلى دفاع مشروع عن النفس الجماعي هو:

"تفعيل معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي بين دول الجامعة العربية الموقعة بالإسكندرية في 17 يونيو 1950:"

المادة 2: "تعتبر الدول المتعاقدة أن أي اعتداء مسلح يقع على أية دولة أو أكثر منها أو على قواتها يعتبر اعتداء عليها جميعاً. ولذلك فإنها عملاً بحق الدفاع الشرعي عن النفس منفردة ومجتمعة تتعهد بأن تبادر إلى معونة الدولة أو الدول المعتدى عليها، بأن تتخذ على الفور منفردة ومجتمعة جميع التدابير وتستخدم جميع ما لديها من وسائل بما في ذلك استخدام القوة المسلحة لرد الاعتداء"

التطبيق: اعتداء الحوثي على الملاحة في باب المندب هو اعتداء مسلح على مصر - قناة السويس - وعلى السعودية والإمارات والأردن وكل الدول العربية. وبالتالي يفعل حق الدفاع الشرعي الجماعي.

المادة 7: تنص على التعاون الاقتصادي، وهو ما يمثل سنداً لإنشاء أحواض ذوباب كمشروع تكامل اقتصادي عربي.

سادسًا: نحو يمن جديد رباعي القوة - مقترح إعادة الاختراع.

مقترح نموذج "اليمن الجديد رباعي القوة"كبديل لمشروع التطهير:

المفهوم: مقاطعة عربية خاصة مغلقة أمنيًا وعسكريًا واستثماريًا في مثلث ذوباب - ميون - الحجرية - جبل منيف.

محددات الطلب المحلي: تشير دراسات الهجرة إلى أن سكان هذه المناطق يتواجدون بكثافة في السعودية والخليج ومصر وأمريكا وأوروبا، ولا يرتبطون بالمشروع الحوثي. مطلبهم المركزي هو نموذج تنموي - منتجعات سياحية ومراكز علمية وموانئ تدار بخبرات عربية - نموذج مارينا المصري - بإدارة مصرية أو مغربية أو لبنانية واستثمار خليجي. أي مقاطعة عربية للاستثمار والأمن، يأتي إليها الكويتي والمصري كأنها بلده.

مكونات رباعي القوة:

1. القوة البشرية اليمنية - الشرعية الشعبية 90%: الحاضنة الشعبية التي ترفض المشروع الحوثي هي القوة المحررة على الأرض. لا وجود لأي ارتباط لها بالمشروع التدميري.

2. القوة العسكرية العربية المشتركة - تفعيل معاهدة 1950: نزول قوات عربية مشتركة لتأمين باب المندب بغطاء قانوني صلب، مع تأمين الحاضنة.

3. القوة التمويلية الخليجية: تمويل صناديق سيادية خليجية - الصندوق الكويتي والسعودي والإماراتي - لبناء أحواض ذوباب وميون بنظام BOT مقابل امتياز 30 سنة، كبديل للفراغ.

4. القوة الخبراتية المصرية: نقل خبرات هيئة قناة السويس - ترسانة بورسعيد والسويس - وشركات المقاولون العرب والهيئة العربية للتصنيع لبناء الأرصفة العميقة والتدريب.

المعادلة التكاملية النهائية:

أمنوا الحجرية والصبيحة - جبال 2000 متر تطل على باب المندب - يبرد مراكز البيانات ويوفر 60% من طاقة التبريد ويشكل درعًا عسكريًا طبيعيًا - حرروا ذوباب وميون كأحواض عميقة 18 متر - 40 درجة حرارة تجاور جبال الحجرية 2000 متر أقل بـ 15 درجة - مخازن استراتيجية ومراكز بيانات موفرة للطاقة - أول ميناء أخضر في العالم - استعيدوا صنعاء كعاصمة لـ 90% من اليمنيين، فعلوا معاهدة 1950 كدرع اقتصادي وعسكري لكل العرب.

اليد اليمنى تحرر - بقوات يمنية تمثل 90% - واليد اليسرى تبني المنطقة الاستثمارية بتمويل خليجي وخبرة مصرية وجغرافيا يمنية عبقرية.

سابعًا: ملء الفراغ - الاستراتيجية الوقائية.

إن الفراغ الاستراتيجي في باب المندب إذا لم تملأه الحبيبة مصر والخليج والمغرب العربي عبر مشروع تكاملي، سيملأه المشروع الإيراني كذراع متقدمة لأجندة توسعية تستهدف إلغاء فكرة الدولة الوطنية العربية - لا يمن ولا سعودية ولا مصر - عبر التسلل من القرن الأفريقي والصومال والعراق وسوريا ولبنان.

الخلاصة الاستراتيجية:

اليمن الكبير لا يمكن استعادته بالمساعدات، بل بإعادة اختراعه كمقاطعة عربية للاستثمار والأمن. الحل هو تفعيل معاهدة الدفاع العربي المشترك 1950 كسند قانوني وحيد يحول التهديد إلى مشروع قرن عربي: "تحرير ذوباب يمول تحرير الحديدة، وتحرير الحديدة يمول تحرير صنعاء، وأحواض ذوباب الخضراء تؤمن غذاء 400 مليون عربي."

اليمن الآن تستنجد بكم. هذا أمن قومي استباقي. إذا لم تقوموا الآن وتمسكوا المكان وتملأوا الفراغ، فالفراغ سيتحول إلى كارثة عليكم.