في ظل الظروف التي يعيشها اليمن منذ سنوات، أصبح المال حاضراً بقوة في قرارات كثير من الشباب، حتى وصل الأمر ببعض طلاب الجامعات إلى ترك الدراسة والبحث عن مصدر دخل سريع، ومن ذلك الالتحاق ببعض التشكيلات العسكرية مقابل راتب قد يصل إلى ألف ريال سعودي شهرياً. وبالنسبة لشاب لا يجد عملاً، أو أسرة تعاني من ضيق المعيشة، فإن هذا المبلغ قد يبدو فرصة لا يمكن التفريط بها، خصوصاً أن الدراسة تحتاج إلى سنوات، بينما الراتب يوفر دخلاً فورياً.
لكن المشكلة أن الطالب عندما يترك الجامعة من أجل راتب اليوم، قد لا ينتبه إلى ما يمكن أن يخسره في المستقبل. فالراتب قد يستمر، وقد يتوقف، وقد تتغير الظروف، أما سنوات الدراسة التي ضاعت فمن الصعب استعادتها. وإذا انقطع هذا الدخل بعد سنوات، فقد يجد الشاب نفسه في وضع صعب، لا يحمل شهادة جامعية، ولا يمتلك مهنة أخرى يستطيع الاعتماد عليها، وربما أصبح الرجوع إلى مقاعد الدراسة أكثر صعوبة من السابق.
والأمر لا يتوقف عند الشاب نفسه، فكل طالب يترك الجامعة يعني أن المجتمع يخسر جزءاً من الكفاءات التي يحتاج إليها. اليمن بحاجة إلى القانوني والطبيب والمهندس والمعلم والمحاسب والإداري وغيرهم، وهذه الكفاءات لا يمكن أن تتكون بين ليلة وضحاها، وإنما تحتاج إلى سنوات من التعليم والتدريب.
ومع ذلك، لا يمكن أن نضع اللوم كله على الشباب، فالطالب الذي يجد نفسه أمام مصاريف الدراسة وحاجة أسرته للمال قد يتخذ القرار الذي يراه مناسباً لظروفه. وهنا تظهر مسؤولية الجامعات أيضاً، فليس المطلوب منها أن تمنع الطالب من العمل، وإنما أن تحاول أن تجعل استمراره في التعليم أمراً ممكناً. ويمكن للجامعات أن تتابع الطلاب الذين بدأوا يتغيبون أو يفكرون في ترك الدراسة، وأن توفر لهم قدراً أكبر من الدعم والإرشاد، وتساعد المحتاجين منهم، وتوسع فرص التدريب والعمل الجزئي، وتربط الدراسة أكثر بفرص العمل حتى يشعر الطالب أن ما يتعلمه اليوم يمكن أن يفيده غداً.
كما أن المسؤولية لا تقع على الجامعات وحدها، بل تحتاج إلى جهود الدولة والمجتمع لتوفير فرص عمل وتدريب للشباب، حتى لا يجد الشاب نفسه مضطراً للاختيار بين الجامعة وبين توفير لقمة العيش لأسرته.
ولا شك أن العمل العسكري أو الأمني في حد ذاته عمل مهم، متى كان ضمن مؤسسات الدولة ووفق القانون، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الراتب المؤقت سبباً في ترك التعليم والتخلي عن بناء مهنة يمكن أن يعيش منها الشاب طوال حياته.
ويمكن القول، إن الألف ريال سعودي مبلغاً مهماً جداً بالنسبة لشاب اليوم، لكنه لا ينبغي أن يكون ثمن مستقبله. فالأوضاع تتغير، والرواتب قد تتوقف، والظروف التي تبدو مستقرة اليوم قد لا تبقى كذلك غداً. وعندما يتوقف الدخل، سيكون الفرق كبيراً بين شاب ترك الجامعة ولم يبنِ لنفسه مهنة، وشاب أكمل تعليمه واستطاع أن يمتلك شهادة وتخصصاً وخبرة يستطيع أن يعتمد عليها.
القضية في النهاية ليست قضية راتب فقط، وإنما قضية مستقبل جيل كامل. فاليمن يحتاج إلى شباب يتعلمون ويعملون ويبنون حياتهم، لا إلى جيل يجد نفسه بعد سنوات يبحث عن بداية جديدة لأنه ترك التعليم في وقت كان فيه ألف ريال سعودي يبدو أهم من المستقبل.