آخر تحديث :السبت-19 سبتمبر 2026-12:10م

الورطة التي لم يحسب الحوثي حسابها في الصبيحة !!

السبت - 19 سبتمبر 2026 - الساعة 12:10 ص
صالح لجوري





بقلم/صالح لجوري





الصبيحة.. أسم ارتبط تاريخيا بالأرض والقبيلة والشجاعة وعُرفت مناطقها الأصلية في طور الباحة والمضاربة ورأس العارة بمحافظة لحج والاغابر ومناطق مجاوره لها بترابط اجتماعي وقبلي متين وبمجتمع ظل متمسكاً بعاداته وتقاليده وروابطه الاجتماعية الممتدة عبر الأجيال.

ولعل من أبرز ما يميز المجتمع الصبيحي ما عُرف عنه من الشجاعة والإقدام والقدرة على التماسك في مواجهة الظروف الصعبة. فقد نشأ أبناء هذه المناطق على قيم الحرية والكرامة والاعتزاز بالأرض وهي قيم تجعل مواجهة الظلم والدفاع عن الأرض قضية تتجاوز الأفراد لتصبح شأناً اجتماعيا واسعا.

ولذلك فإن أي طرف يعتقد أن بإمكانه إخضاع الصبيحة بالقوة وحدها قد يجد نفسه أمام واقع أكثر تعقيداً مما يتصور فالمجتمعات القبلية المترابطة لا تُقاس قوتها بعدد الأفراد أو السلاح فقط وإنما بما تمتلكه من روابط اجتماعية وقدرة على الحشد والتكاتف والصمود.

الصبيحة.. مجتمع لا يُختزل في الجغرافيا

والصبيحة ليست محصورة في نطاق جغرافي ضيق فأبناؤها منتشرون في مناطق ومديريات متعددة من محافظة لحج فضلا عن وجودهم في مناطق أخرى على مستوى محافظات الجنوب مع بقاء صلتهم الوثيقة بمواطنهم الأصلية وامتداداتهم الاجتماعية والقبلية .

وهذا الانتشار إلى جانب الروابط القبلية والاجتماعية يجعل الصبيحة مكونا اجتماعيا حاضرا بقوة في المشهد المحلي وليس من السهل التعامل معه باعتباره تجمعا يمكن عزله عن محيطه أو تفكيك روابطه.

وهي قبائل عرف عنها خبرة متوارثة في المواجهة

وعلى امتداد تاريخ المنطقة برز من أبناء الصبيحة رجال عُرفوا بالشجاعة والخبرة في ميادين القتال كما برزت شخصيات عسكرية وقبلية امتلكت خبرة في القيادة والتخطيط وإدارة المواجهات.

لكن الأهم من ذلك أن الخبرة لا تكمن في الأفراد وحدهم بل في مجتمع يعرف طبيعة أرضه ويدرك أهمية التضاريس والطرق والممرات ويمتلك ذاكرة طويلة من التعامل مع ظروف المنطقة وتحولاتها.

وهنا تكمن إحدى النقاط التي ربما لم يضعها الحوثيون في حساباتهم بصورة كافية فالأرض التي يدخلها المقاتل ليست مجرد مساحة جغرافية وإنما بيئة يعرف أهلها تفاصيلها أكثر من أي قوة وافدة إليها.

الورطة التي لم تُحسب جيدا

قد يظن الحوثي أن التقدم العسكري أو الضغط بالقوة يمكن أن يفرض واقعا جديدا في الصبيحة غير أن الحسابات العسكرية وحدها لا تكفي عندما يكون الطرف الآخر مجتمعا مترابطا يرى أن أرضه وكرامته وحقوقه خطوط لا يمكن تجاوزها مهما كلف الثمن .

فالصبيحة بما تمتلكه من امتداد اجتماعي وروابط قبلية ومجتمعية قادرة على جعل أي محاولة لفرض الأمر الواقع أمام مواجهة طويلة ومعقدة خصوصا عندما تتقاطع إرادة المجتمع مع معرفة دقيقة بالأرض والطرق والتضاريس.

ولهذا فإن الورطة الحقيقية التي وجد الحوثي نفسه أمامها ليست في الجغرافيا وحدها بل في طبيعة مجتمع قبلي مترابط عُرف من خلال تجاربه الميدانية بالشراسة والمقاومة والفداء.

نعم إنها قبائل تقاتل ولا تحسب للفناء أي حساب وليس في قاموسها الاستسلام والخضوع قبائل ترى أن الموت أهون من البقاء تحت رحمة الغزاة والمحتلين وأن الكرامة والحرية أثمن من حياةٍ تُعاش في الذل والهوان.

إنها قبائل الصبيحة التي تقف على هذه الجغرافيا والتي ربما هرب إليها الحوثي معتقدا أنه قادر على تطويعها وفرض سيطرته عليها لكنه لم يدرك أن هذا المجتمع القبلي له جذور عميقة وروابط واسعة وذاكرة لا تنسى وأبناء يرون في أرضهم جزءاً أصيلاً من هويتهم وحريتهم وكرامتهم.

وهم وفق هذا التصور يأبون العيش في الذل والهوان تحت وطأة احتلالا كهنوتيا متخلفا ويرون الموت أهون من الخضوع أو تغيير عقيدتهم الدينية أو كسر أنفتهم وشموخهم القبلي الأصيل.

إنها بيئة اجتماعية لا يمكن فهمها من خلال الخرائط العسكرية وحدها ولا يمكن اختزالها في حسابات التقدم والتراجع فهناك تاريخ اجتماعي وقبلي وروابط عائلية ومجتمعية وارتباط عميق بالأرض، وكل ذلك يدخل في تشكيل موقف المجتمع من أي محاولة لفرض واقع جديد عليه.

وفي مثل هذه البيئات تصبح معرفة الأرض عاملاً مهما كما يصبح التماسك الاجتماعي عنصرا لا يقل أهمية عن القوة العسكرية لأن المواجهة لا تدور فقط على تضاريس الجبال والوديان والطرق وإنما تتداخل معها إرادة مجتمع يرى في أرضه امتدادا لتاريخه وكرامته وهويته.

الصبيحة.. ذاكرة الأرض وكرامة الإنسان

ومن هنا فإن قراءة المشهد الصبيحي تحتاج إلى النظر إليه من أكثر من زاوية فالصبيحة ليست مجرد جغرافيا تقع على خارطة محافظة لحج وليست مجرد قبائل متفرقة بل مجتمع له روابطه وامتداداته وتاريخه وتجربته الطويلة.

وقد تكون هذه الحقيقة واحدة من أهم الأمور التي يجب أن تؤخذ في الاعتبار عند قراءة أي تطورات عسكرية أو سياسية في المنطقة إذ إن طبيعة المجتمع المحلي إلى جانب طبيعة الأرض قد تجعل فرض أي واقع بالقوة غير ممكنا بل قد تكون الورطة التي لن يخرج منها الحوثي بسلام

وسوف يدخل في مرحلة انتكاسة هي الأكثر تعقيدا مما تبدو عليه الحسابات الأولية.

وفي النهاية تبقى الصبيحة أكبر من أن تُختزل في مواجهة عابرة فهي مجتمع له تاريخه وخصوصيته وروابطه الممتدة وأرض يعرف أهلها تفاصيلها وقبائل ومكونات اجتماعية تشكلت عبر عقود طويلة.

ومن هنا فإن من يقرأ المشهد الصبيحي قراءة عسكرية مجردة ويتجاهل البعد الاجتماعي والقبلي والتاريخي قد يكتشف أن حساباته كانت ناقصة منذ البداية.

فالصبيحة ليست مجرد مكان على الخريطة وإنما أرض تحمل ذاكرة أهلها ومجتمع يحمل إرثه وقبائل ترى في الحرية والكرامة والانتماء إلى الأرض قيما راسخة يصعب تجاوزها أو اختزالها في حسابات عسكرية عابرة.