إذا اكتملت سيطرة الحوثيين على الشمال، فلن يكون السؤال فقط: إلى أين وصلوا؟ بل ماذا سيفعلون بعد ذلك؟ فالوصول إلى الأرض شيء، وإدارة حياة الناس شيء آخر. وهنا تبدأ المرحلة الأهم: هل تستطيع الجماعة الانتقال من منطق الحرب إلى منطق الدولة؟
المواطن في أي مدينة لا يريد شعارات؛ يريد مستشفى ومدرسة وطريقًا وماءً وكهرباء وراتبًا وسوقًا يعمل. والمخا تقدم مثالًا واضحًا، فقد شهدت خلال السنوات الماضية مشاريع في الطرق والصحة والتعليم والسكن وتصريف مياه الأمطار والنقل، إلى جانب الميناء والمطار، وكان للعميد طارق صالح دور معلن في متابعة ودعم عدد من هذه المشاريع.
وفي صنعاء، ظلت الرواتب والخدمات والاقتصاد من أكثر الملفات التي تؤرق الناس خلال سنوات الحرب. قد تكون الحرب والحصار والانقسام هي الغطاء الذي تستخدمه جماعة الحوثي لتفسير كثير من الأزمات، لكن ماذا ستكون حجتها بعد انتهاء الحرب والحصار؟ عندها لن يكون من السهل تعليق كل شيء على شماعة الحرب، لأن المواطن لا يعيش المبررات، بل يعيش النتيجة.
وهنا أتذكر عبارتي: السمك لا يستطيع أن يعيش خارج البحر.
الحرب كانت البيئة التي نشأت فيها الجماعة وكبرت، لكن الدولة شيء آخر. الدولة تحتاج إلى مؤسسات واقتصاد وخدمات وحياة مستقرة. ولذلك فإن ما سيواجهه الحوثيون بعد إحكام قبضتهم على الشمال لن يكون مجرد إدارة أرض، بل إدارة حياة الناس وتوفير احتياجاتهم، وإثبات قدرتهم على البقاء خارج مناخ الحرب الذي اعتادوا عليه.
ومن هنا يبدأ الحديث عن الجنوب، لأن ما سيحدث في الشمال لن يبقى محصورًا داخله.
فالجنوب له قضية أقدم من الحرب الحالية، وله تجربة دولة ومؤسسات سبقت الوحدة عام 1990، ثم جاءت حرب 1994، وتراكمت بعدها قضايا سياسية واقتصادية واجتماعية أسهمت في نشوء الحراك الجنوبي وتطور القضية الجنوبية.
ولهذا، إذا استقر الشمال على واقع سياسي تفرضه سلطة الحوثيين، فإن الجنوب سيكون أمام واقع جديد أيضًا. ولن يكون السؤال فقط عن استمرار المطالبة بالقضية الجنوبية، بل عن الخطوة التي يمكن أن تليها.
قد تختلف القوى الجنوبية في التفاصيل، لكن القاسم المشترك يمكن أن يكون واضحًا: مستقبل الجنوب يقرره أبناؤه.
وفي تقديري، فإن اكتمال سيطرة الحوثيين على الشمال قد يدفع الجنوب إلى الانتقال من مرحلة المطالبة إلى مرحلة الفعل، عبر إعلان دولة الجنوب بحدود عام 1990، ثم يبدأ بعد ذلك النقاش حول شكل الدولة ونظامها ومؤسساتها، وهي أمور يقررها الجنوبيون أنفسهم.
وهنا يلتقي المساران.
الحوثيون، بعد انتهاء مرحلة التوسع والحرب، سيجدون أنفسهم أمام مسؤولية إدارة الشمال، ولن يكون بوسعهم إلى الأبد استخدام الحرب والحصار لتفسير كل أزمة. المواطن سيحكم على الواقع الذي يعيشه، لا على المبررات التي يسمعها.
أما الجنوب، فقد يجد نفسه أمام لحظة تاريخية مختلفة؛ لحظة لا يعود فيها السؤال: كيف نواصل المطالبة؟ بل: كيف ننتقل إلى بناء دولة؟
قد تكون الإجابة في الشمال هي فشل المليشيات في اختبار إدارة الدولة، لأنها جماعة نشأت على الحرب وكبرت في ظلها، وقد تجد صعوبة في العيش خارجها. فالحرب بالنسبة لها ليست مجرد مرحلة، بل البيئة التي صنعت نفوذها، بينما الدولة تحتاج إلى مؤسسات واقتصاد وخدمات واستقرار.
أما الجنوب، فقد تكون إجابته مختلفة. ففي تقديري، إذا اكتمل هذا الواقع في الشمال، فلن يبقى أمام الجنوبيين سوى الانتقال من مرحلة المطالبة إلى مرحلة الفعل، عبر إعلان دولة الجنوب بحدود عام 1990، ثم يبدأ العمل على بناء مؤسساتها وترتيب شؤونها وفق إرادة أبنائها.
وهنا قد تتقاطع نهايتان في لحظة واحدة: مليشيا تجد نفسها أمام اختبار الدولة، وجنوب يجد نفسه أمام استحقاق إعلان الدولة.
وربما يكون السؤال الأهم عندها ليس فقط: من يسيطر على الأرض؟ بل من يستطيع أن يصنع مستقبلًا يستحقه الناس؟