آخر تحديث :السبت-19 سبتمبر 2026-12:10م

من الساحل الغربي إلى مأرب

الجمعة - 18 سبتمبر 2026 - الساعة 02:44 م
عيدروس المدوري


هل تكتمل زوايا الخريطة وماذا بعد في معادلة الجنوب والشرعية؟

لا يمكن قراءة التطورات الميدانية الأخيرة على شريط الساحل الغربي وسقوط مدينة المخا الاستراتيجية بوصفها مجرد حدث عسكري عابر في تفاصيل الحرب اليمنية المتطاولة بل هي نقطة تحول جيوسياسية تعيد رسم موازين القوى والتوازنات الشاملة على الممر البحري الأهم في المنطقة وامتداداً لهذه السخونة الميدانية يعود السؤال الذي يشغل الشارع السياسي إلى الواجهة هل باتت مأرب هي المحطة التالية في هذا المسار التصاعدي؟ وما الذي سيتبقى من مفهوم الشرعية والوحدة في أذهان الحسابات السياسية والقيادات الجنوبية إذا ما انكسرت اخر القلاع الشمالية؟

لم يكن سقوط مدينة المخا ومناطق الساحل الغربي الاستراتيجية مجرد خسارة جغرافية عابرة بل كان زلزالاً عسكرياً كشف مستويات غير مسبوقة من الاختراق والانهيار في منظومة ما يُسمى بالقوات الشرعية وما يجعل الحدث أكثر خطورة هو أن جبهات الساحل الغربي كانت تُصنّف بأنها الأكثر عتاداً وعدة وألوية مدججة بأحدث الأسلحة ومع ذلك تهاوت وسقطت بتلك السهولة والصدمة هذا الواقع يفرض سؤالاً ملحاً وهاماً إذا كانت الجبهة الأكثر تسليحاً وتنظيماً قد سقطت فما الذي يمنع تكرار السيناريو ذاته في جبهات مأرب ؟

إن القراءة المجردة لمسار المعارك في مأرب خلال السنوات الماضية تؤكد أن هذه المحافظة لم تكن يوماً عصية بالشكل الذي يروّجه الخطاب الإعلامي بل شهدت سلسلة من الانسحابات والسقوط المتتالي للمديريات والمواقع الاستراتيجية بسلاسة وسرعة تدعو للريبة .

فقد تهاوت مديريات نهم وصرواح والعبدية والجوبة وماهلية متسلسلة كأحجار الدومينو ولم يتبقَ من المحافظة سوى مركز المدينة وبعض المربعات النفطية الضيقة وبالمقارنة الميدانية إذا كانت جبهة المخا والساحل الغربي بما تمتلكه من ترسانة عسكرية ضخمة وإسناد لوجستي واسع قد سقطت وسُلّمت للحوثي فإن مأرب العليلة عسكرياً والمخترقة سياسياً باتت جاهزة لتكرار المشهد ذاته وفي أي لحظة خاصة وأن المعطيات توحي بأن قرار التسليم والحسم قد يتعدى الحدود الميدانية إلى تفاهمات وتواطؤات خلف الكواليس .

أمام هذا المشهد المتهاوي لا يمكن للقيادات والمكونات الجنوبية أن تقف موقف المتفرج إذ إن سقوط المخا وتهاوي الساحل كشف الخلل العظيم وسقوط مأرب الوشيك سيضع القوات والقيادة الجنوبية أمام استحقاقات مصيرية لا تقبل المواربة

1. الشهادة الفعيلة بوفاة الشرعية المخترقة

سقوط المخا ثم مأرب يعني إعلان الفشل الكامل لمنظومة الشرعية اليمنية والأحزاب المهيمنة عليها وثبوت أن أجزاء واسعة منها لم تكن سوى أداة لإدارة الاستنزاف وتمرير أجندات استسلامية وبالتالي فإن فكرة الرهان على الشرعية لإعادة تحرير الشمال سقطت أخلاقياً وعسكرياً وباتت مجرد وهم .

2. دفن مشروع الوحدة بلا رجعة عندما يستولي الحوثي على الساحل الغربي كلياً كمناطق شمالية ويكمل سيطرته على مأرب ستكون خريطة الشمال قد حُسمت بالكامل لصالح سلطة أمر واقع طائفية وموالية لإيران في هذه اللحظة يصبح الحديث عن وحدة يمنية أو دولة اتحادية نوعاً من العبث والجنون السياسي فالجنوب لن يقبل أن يُساق أو يُربط بدولة شمالية حوثية او ان يبقى الشماليين هم من يحكم الجنوب بالوحدة والشمال قد صار حوثي بالكامل لذى سيكون فك الارتباط الاستحقاق الطبيعي والوحيد لحماية الهوية والأرض .

3. إعلان الإدارة الذاتية واستدعاء خطوط 90 رد القيادات الجنوبية لن يتوقف عند البيان السياسي بل سيتحول إلى استراتيجية أمنية وجودية إغلاق كافة الحدود التاريخية لما قبل عام 1990م (من لحج والضالع وشبوة وصولاً إلى حضرموت والمهرة) وفرض الإدارة الذاتية المباشرة على كامل الجنوب وتوجيه كل القوة العسكرية الجنوبية لحماية هذه الحدود وتأمين الملاحة والمنافذ البحرية مع قطع أي صلة مالية أو إدارية بمؤسسات الشرعية المخترقة .

إن التساقط الدراماتيكي للجبهات من الساحل إلى مأرب يُنهي مرحلة كاملة من الخداع السياسي لم يعد أمام القيادة الجنوبية أي متسع للمناورة أو حسن النظن فسقوط المخا ومأرب يضع الجنوبيين أمام خيار واحد لا ثاني له إما التحرك لحماية حدودهم وإعلان سلطتهم المستقلة على أراضيهم أو الانتظار حتى يصل التهاوي إلى أعتاب منازلهم . والواقع يقول إن زمن الانتظار قد انتهى .