آخر تحديث :الأحد-20 سبتمبر 2026-11:23م

من تفكيك الدولة إلى إعادة تشكيل الإقليم: الدول العربية بين اكراهات الوطننة ببن الداخل والخارج

الجمعة - 18 سبتمبر 2026 - الساعة 02:08 م
د. جمال الهاشمي


لا يبدأ تفكيك الدول الكبرى في العالم الإسلامي من حدودها ولا يبدأ بالضرورة من الحرب وإنما يبدأ من إضعاف قدرتها على إنتاج التماسك الداخلي وتحويل قوتها الجغرافية والديموغرافية والاقتصادية إلى قوة سياسية مستقلة.

فالدولة الكبرى لا تصبح خطرة على محيطها عندما تمتلك جيشا قويا فقط وإنما كذلك عندما تمتلك مجتمعا متماسكا واقتصادا قادرا على الاستمرار ومرجعية تمنح مشروعها السياسي هوية قيمة واخلاقية وتاريخية وموقعا جغرافيا يسمح لها بالتأثير فيما حولها.

ولذلك فإن إعادة تشكيل هذه الدول تبدأ في القراءة الجيوسياسية من ضرب العلاقة بين هذه العناصر قبل التفكير في تغيير حدودها.

و الاقتصاد هو البنية التحتية للسيادة وكلما ازدادت الدولة اعتمادا على الخارج في الغذاء والطاقة والتمويل والتكنولوجيا والأسواق أصبحت خياراتها السياسية مرتبطة بدرجة أكبر بالبيئة الدولية.

و الخطر لا يكمن في الاعتماد الاقتصادي وحده، وإنما في تحوله إلى اعتماد سياسي ثم إلى إعادة تعريف للأولويات الوطنية وفقا لمصالح الأطراف التي تملك أدوات التمويل أو التجارة أو الطاقة.

وعندما يتزامن ذلك مع بطالة وتفاوت اجتماعي وتراجع في الخدمات يتحول الاقتصاد من مصدر لقوة للدولة إلى مجال لإنتاج السخط وفقدان الثقة.

ثم تأتي الطبقة الثانية في تفكيك المجال الاجتماعي والقيمي.

وهنا لا ينبغي الخلط بين التغير الاجتماعي الطبيعي وبين التفكيك السياسي؛ فالمجتمعات تتغير والقيم تتطور والتعدد الفكري جزء من طبيعة المجتمعات الحديثة ولكن المشكلة الجيوسياسية تظهر عندما يتسارع التغيير بينما تتراجع قدرة المجتمع على ايجاد أرضية مشتركة للحوار والانتماء في ظل تهافت التهافت على مراكز النفوذ داخل الدولة.

عندها تصبح الهوية نفسها ساحة صراع لحسابات الاخر ويبدأ المجتمع في الانتقال من تعدد داخل الأمة إلى تعدد في تعريف الأمة وبهذا تظهر أهمية المرجعية.

فالمرجعية الدينية أو الوطنية أو الثقافية لا تكون مسألة عقائدية فحسب وانما يمكن أن تؤدي وظيفة سياسية واجتماعية تتمثل في خلق إطار مشترك للاختلاف. وعندما تتراجع المرجعية الجامعة من دون ظهور بديل وطني قادر على استيعاب التعدد ينشأ فراغات تتنافس على ملئه مرجعيات متعددة؛ دينية ومذهبيةو قومية و ليبرالية ويسارية ومناطقية وحركية.

وهز ما يجعل الصراع السياسي أعمق من المنافسة على السلطة لأنه يتحول من صراع مصالح إلى صراع حول هوية الدولة وموقعها في التاريخ والإقليم.

ومن ثم يمكن فهم أحد أخطر التحولات في انتقال الصراع من الحكم إلى تحديد مفهوم الدولة.

وفي الحالة الأولى يمكن تداول السلطة وتغيير الحكومات أما في الحالة الثانية فإن كل طرف يبدأ في النظر إلى الطرف الآخر بوصفه تهديدا لنموذج الدولة وهويتها.

وعندما يصل الاستقطاب إلى هذه المرحلة تصبح الدولة أقل قدرة على إنتاج سياسة خارجية مستقلة لأن الانقسام الداخلي يبدأ في تحديد موقعها الخارجي.

فاليمن يقدم نموذجا مكثفا لهذه الآلية ليس لأنه نسخة يمكن تعميمها على الدول الأخرى وإنما لأنه يوضح كيف يمكن لتعدد مراكز القوة أن يحول الجغرافيا إلى أداة للصراع الإقليمي.

فالموقع اليمني لا ينفصل عن باب المندب والبحر الأحمر والخليج ولذلك فإن الأزمة الداخلية تتحول بسهولة إلى أزمة ذات قيمة استراتيجية تتجاوز حدود اليمن. والتطورات الأخيرة في الساحل الغربي اليمني تؤكد مدى ارتباط الصراع الداخلي بالممرات البحرية وبالتنافس الإقليمي.

وهنا تظهر القاعدة الجيوسياسية الأهم وهو كلما ضعفت الدولة المركزية في منطقة ذات قيمة جغرافية عالية ازدادت قيمة القوى غير المركزية لأن الفراغ لا يبقى فراغا وإنما يتحول إلى مجال حر لتنافس القوى الإقليمية والدولية.

وهو ما نقل الأزمة اليمنية من الداخل إلى الخارج بحيث تحولت إلى عقدة جيوسياسية وهوياتية تربط الجزيرة العربية بالبحر الأحمر والقرن الأفريقي والتجارة الدولية.

أما إيران فتقدم الحالة المقابلة كدولة تواجه ضغوطا اقتصادية وأمنية وإقليمية كبيرة و لكنها تمتلك مؤسسات ومرجعية وهوية سياسية أكثر تماسكا من أن تجعل الضغط الخارجي مرادفا تلقائيا للتفكك الداخلي.

وتكشف التحليلات الحالية أن الحرب والضغط الخارجي لم يؤديا ببساطة إلى انهيار الدولة الإيرانية انما أعادا ترتيب البيئة الإقليمية حولها مع استمرار قدرة الدولة على توظيف الجغرافيا ولا سيما موقعها حول مضيق هرمز.

وهذه المقارنة مهمة منهجيا لأنها توضح أن الضغوط الخارجية لا تؤدي ال نفس النتيجة في كل دولة.

فالضغط لا يتحول إلى تفكيك إلا عندما يجد بنية داخلية قابلة لاستيعابه وتحويله إلى صراع داخلي. لذلك فإن العامل الفاعل ليس في مقدار الضغط وحده وإنما في العلاقة بين الضغط الخارجي ومتانة البنية الداخلية.

وفي الخليج تظهر طبقة أخرى من المعادلة فلاقتصاد المرتبط بالطاقة والموقع البحري والاعتماد الأمني الخارجي ومحاولات تنويع الشراكات يضعف سيادتها مما يجعلها منطقة أمنية ضعيفة جيوسياسيا بسبب انشغالها بترتيبات الأمن مفردة دون تشكيل كتلة اقليمية واحدة .

وقد كشفت الحرب مع إيران خلال 2026 عن مدى ارتباط أمن الخليج بالاقتصاد العالمي وبالممرات البحرية كما دفعت دول المنطقة إلى إعادة حساباتها الأمنية وشراكاتها الخارجية مما قد يعرضها لمزيد من الضغوط المحلية والدولية.

ومما يزيد من مخاطر الخليج في أنه لا يمكن قراءته ككتلة واحدة فلكل دولة حساباتها ومواردها وموقعها.

ولهذا أصبحت المنافسة الإقليمية أكثر تعقيدا من نموذج الأحلاف الصلبة. فالعلاقات بين تركيا ودول الخليج مثلا انتقلت خلال السنوات الأخيرة من مراحل التنافس وتعريف الهوية إلى شيء من التعاون البراغماتي في بعض الملفات وهو ما يعكس تحولا في طبيعة النظام الإقليمي.

وتعد تركيا بدورها نموذجا للدولة التي تجعل الجغرافيا والسياسة الخارجية امتدادا لقوة الدولة الداخلية.

فهي تقع عند تقاطع أوروبا والشرق الأوسط والبحر الأسود والقوقاز ولذلك فإن إضعاف محيطها لا يعني بالنسبة إليها أزمة خارجية وإنما يمكن أن ينعكس على التجارة والطاقة والأمن والهجرة والتوازنات الإقليمية. ولهذا غدت تركيا طرفا مهما في إعادة صياغة التوازنات الإقليمية مع تغير العلاقة بين الخليج وإيران والولايات المتحدة.

أما مصر فإن خصوصيتها الجيوسياسية مختلفة.

فهي تجمع بين الكتلة السكانية والثقل العسكري والموقع الجغرافي وقناة السويس والامتداد العربي والأفريقي ولذلك فإن أي ضغط طويل على الاقتصاد المصري لن يبق شأنا اقتصاديا داخليا بالكامل؛ لأن قدرة مصر الاقتصادية تؤثر في قدرتها على ممارسة دورها الإقليمي. وتظهر دراسات حديثة كيف أصبحت الصدمات المرتبطة بالحرب الإيرانية والاقتصاد والطاقة عاملا ضاغطا على خيارات القاهرة خصوصا في علاقتها بالخليج وإيران.

ومن هنا يمكن بناء الصورة الشاملة فليمن يمثل أهمية الموقع البحري وإيران تمثل أهمية الدولة ذات العمق الجغرافي والمرجعية السياسية والخليج يمثل مركز الطاقة والمال وتركيا تمثل عقدة الجغرافيا بين عدة أقاليم ومصر تمثل ثقل السكان والجيش وقناة السويس والشرعية العربية. وعندما تتعرض هذه الدوائر لضغوط متزامنة فإن الاأزمات الوطنية لن تبقى شأنا داخليا، وإنما هي عملية جديدة لاعادة توزيع التوازن داخل النظام الإقليمي.

لهذا فإن تفكيك الدول الكبرى لا يحتاج بالضرورة إلى تقسيمها مباشرة وانما يمكن أن يبدأ بإضعاف اقتصادها ثم زيادة اعتمادها على الخارج ثم إنهاك مؤسساتها ثم توسيع الفجوة بين مكوناتها الاجتماعية ثم تحويل الاختلاف السياسي إلى صراع هوياتي ثم ظهور مراكز نفوذ قادرة على تجاوز الدولة ثم ربط هذه المراكز بشبكات إقليمية ودولية.

وعندما تصل العملية إلى هذه المرحلة تصبح الدولة موجودة قانونيا لكنها أقل قدرة على تحويل مواردها إلى قرار استراتيجي مستقل.

وهنا تتضح العلاقة بين الداخل والجغرافيا. فالجغرافيا لا تحمي الدولة إذا كان مركزها ضعيفا والاقتصاد لا يحميها إذا فقدت استقلال القرار والجيش لا يحسم وحده أزمة الهوية والمرجعية لا تكفي إذا تحولت إلى أداة صراع بين المجتمع.

فالقوة الحقيقية للدولة هي قدرتها على تركيب هذه العناصر داخل مشروع وطني واحد.

لذلك فإن أخطر مراحل التفكيك ليست مرحلة انهيار الدولة، وإنما المرحلة التي تسبق الانهيار: عندما يصبح المجتمع منقسما حول معنى الدولة والنخب منقسمة حول اتجاهها، والاقتصاد مرتبطا بمصالح خارجية متعددة والسياسة الخارجية امتدادا للصراع الداخلي والجغرافيا موزعة بين مراكز نفوذ مختلفة.

وهو ما يجعل تفكيك الدولة أقل حاجة إلى قوة خارجية مباشرة؛ لأن الدولة نفسها تبدأ بايجاد مؤشرات انهيارها. وهذا هو جوهر التحول من اختراق الدولة إلى إعادة تشكيل الدولة.

و لا تمحى الدولة بالضرورة من الخريطة وإنما يعاد توزيع مصادر القوة داخلها وتعاد صياغة علاقاتها الخارجية وتتغير وظيفة جغرافيتها ويتحول موقعها من قوة مستقلة في النظام الإقليمي إلى مساحة تتنافس عليها القوى المختلفة.

ومن هنا فإن الصراع الحقيقي في العالم الإسلامي ليس فقط صراعا على الأرض ولا حتى صراعا على الأنظمة وإنما صراع على من يملك القدرة على خلق الهوية الوطنية في ظل تشظيها وانفتاحها العابر للحدود .

فمن يملك القدرة على تعريف الهوية ومن يملك القدرة على تحويل الجغرافيا والاقتصاد والمجتمع والهوية إلى قرار سياسي مستقل.

فإذا بقيت هذه العناصر مجتمعة داخل الدولة أمكنها مقاومة الضغوط وإعادة إنتاج قوتها.

أما إذا انفصلت عن بعضها فإن الدولة قد تبقى قائمة في شكلها القانوني بينما يكون النظام الإقليمي قد بدأ فعليا في إعادة تشكيلها.

ومن فإننا ومن خلال استقراء التحولات المجتمعية ندرك جيدا أن الدول العربية بما فيها السعودية ومصر والمغرب يعيشون تشظيا هوياتيا بينما تتصارع الهويات داخل الدولة في دول الأزمات في اليمن وسوريا والاردن والعراق والمغرب وليبيا والسودان والصومال وحتى في تركيا وباكستان إلا أن هذا الصراع يأخذ مستويات مختلفة بين صراع كامن مؤهل للانفجار إذا اكتملت شروط ابتعاثه وارتباط خيوطه الداخلية بالخارجية وصداع ملتهب بمستويات مختلفة وأشرسها في اليمن حيث تلعب الايدلوجيات دورا كبيرا في إعادة تغيير هوية المجتمع بالقوة عبر الإكراهات الوظيفية والأمنية والجهوية ومن ثم فإن واقع اليمن يعد النواة الأولى التي قد تساهم في تفجير دول أخرى وأكثرها قابلية للانفجار دول الإقليم المجاورة لها بسبب التناقض الفض بين اكراهات المجتمع الدولي وتوجهات الدول من الاقتصاد الريعي النفطي إلى الاقتصاد الترفيهي وهو ما جعل القيم متشظية داخليا بين ثلاث توجهات متطرفة:

- التطرف الليبرالي والذي يحاول إعادة تعريف القيم بالنمط الثقافي الغربي من خلال خلق دين هوياتي اقتصادي يعاد تعريفه من داخل كليات النصوص بعيدا عن شروط تقييدها بنصوص أخرى مفسرة لها وهو ما يعني العمل على ثقافة إحلال القيم الغربية بتبريرات دينية.

- التطرف المقاوم وهو الذي يعمل على خلق هوية دفاعية بمعتقدات متطرفة تبرر العنف والخروج دون توازن ممنهج بين كليات الدين وإكراهات الواقع وهو يعمل على خلق هوية عقائدية تتناسب مع هوية التطرف الليبرالي وبين هذين النقيضين ينشأ مجتمع متذبذب يعيش انفصاما هوياتي.

- التطرف الكامن وهو تطرف من زاوية أخرى حيث يميل إلى الاغتراب عن الواقع بالانكفاء على النصوص وخلق بيئة مغلقة وهو ما قد يؤدي إلى تأجيل الانخراط في الواقع .

بينما تعاني الأنظمة والمجتمع معا من إعادة تعريف بنية الثقافة والاعلام والتنمية بطرق متوازنة بين القيم والواقع والغاية.