للكاتب /نصيب محمد الحارثي
ستهاجرون إلى العالم المتقدم إلى أوروبا،والى شرق آسيا الصين واليابان والى دول الخليج العربي وستتعلمون احترام القانون، ولن ترموا أعقاب السجائر في الشوارع، ولن تدخنوا في الأماكن الممنوعة، وستعبرون الطريق من ممر المشاة، وستلتزمون بإشارات المرور، وستقفون في الطوابير مهما طال انتظاركم، وستربطون حزام الأمان قبل أن تتحرك السيارة، وستضعون لأطفالكم مقاعدهم المخصصة في المقاعد الخلفية، وستدركون أن مخالفة صغيرة قد تجر وراءها غرامة ومسؤولية وستتعلمون أن الأمن مسؤولية الجميع، فإذا سُرقت قطة من أمام نافذتكم فلن تكتفوا بالحديث عنها في مجالسكم، بل ستتصلون بالشرطة وتقدمون بلاغًا.
وحين تحصلون على الجنسية، وتصلون إلى صناديق الاقتراع، ستكتشفون أن اختيار من يمثلكم ليس مجاملةً ولا عصبيةً ولا قرابةً، بل مسؤولية، وستبحثون عن تاريخ المرشح، وسيرته، ونزاهته، وكفاءته، وما الذي قدمه للناس قبل أن تمنحوه صوتكم وستتعلمون احترام الوقت، واحترام الدور، واحترام الممتلكات العامة، واحترام حق الآخرين في الشارع والعمل والحياة ستفعلون كل ذلك لأن النظام هناك لا يسمح بالفوضى، ولأن المجتمع هناك يذكّركم باستمرار بأن حقوقكم تقابلها واجبات، وأن الحرية لا تعني أن تفعل ما تشاء، بل أن تمارس حريتك دون أن تعتدي على حرية غيرك.
لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف أمامه طويلًا هو لماذا نستطيع أن نكون مواطنين منضبطين عندما نغادر أوطاننا، ولا نستطيع أن نكون كذلك ونحن في أوطاننا؟ لماذا نحترم القانون عندما يكون القانون أوروبياً ، ونبحث عن ألف طريقة للالتفاف عليه عندما يكون قانوناً في بلادنا؟ لماذا نحافظ على نظافة الشوارع هناك، ثم نلقي النفايات من نوافذ سياراتنا هنا؟ لماذا نقف في الطابور هناك وكأننا جميعاً متساوون، ثم نحاول هنا تجاوز عشرات الواقفين لأن لدينا معرفة أو واسطة؟ ولماذا نبحث عن تاريخ المرشح وكفاءته عندما نصبح ناخبين في أوروبا، بينما قد نمنح أصواتنا في بلادنا لمن تربطنا به قرابة أو منطقة أو انتماء؟ الحقيقة المؤلمة أن الهجرة قد تنقل الإنسان من وطن إلى وطن، لكنها لا تستطيع وحدها أن تنقل الوطن من داخل الإنسان. يمكن أن تغير عنوانك، وجواز سفرك، ولغة حديثك، ومكان عملك، لكنك ستظل تحمل معك عاداتك وقيمك وطريقة تفكيرك. ولذلك فإن أعظم هجرة ليست أن تغادر بلدًا فقيرًا إلى بلد غني، ولا أن تنتقل من شارع مزدحم إلى مدينة منظمة؛ أعظم هجرة هي أن يهاجر الإنسان من الفوضى إلى النظام، ومن اللامبالاة إلى المسؤولية، ومن ثقافة ما شأني؟ إلى ثقافة هذا شأني لأنني جزء من المجتمع، ومن البحث عن الواسطة إلى احترام الاستحقاق، ومن تقديس الأشخاص إلى احترام المؤسسات، ومن سؤال ماذا سأحصل عليه؟ إلى سؤال ماذا يجب أن أقدم؟.
ولو استطعنا أن نحمل هذه القيم إلى أوطاننا، لربما اكتشفنا أن بعض الأشياء التي هاجرنا بحثاً عنها لم تكن تحتاج إلى طائرة ولا إلى قارب ولا إلى جواز سفر جديد كانت تحتاج فقط إلى إنسان قرر أن يبدأ بنفسه فالأوطان لا تتغير فقط حين تتغير الحكومات، بل حين يتغير سلوك الناس، ولا تبنى الحضارات بالخطابات الكبيرة وحدها، وإنما بأشياء صغيرة تتكرر كل يوم مواطن يلتزم بالدور، وسائق يحترم الطريق، وأب لا يرمي القمامة أمام أطفاله، وموظف يؤدي عمله بأمانة، وشرطي يحترم المواطن، ومواطن يحترم القانون، وناخب يختار بعقله لا بعصبيته عندها فقط تصبح العودة إلى الوطن عودةً إلى مكان يستحق الحياة، لا مجرد عودة إلى المكان الذي غادرناه وربما تكون المفارقة الأجمل أن الإنسان لا يحتاج دائماً إلى أن يهاجر كي يجد وطناً أفضل أحياناً يحتاج الوطن فقط إلى أن يبدأ أبناؤه بالتصرف كما يتصرفون في البلاد التي حلموا بالهجرة إليها
.