يبدو أن جماعة الحوثي اكتشفت أخيرًا أن للصواريخ أيضًا «نزوات» شخصية!!!
فالصاروخ ـ بحسب منطق التبرير ـ قد ينطلق بآلاف الكيلومترات، ويعبر الجبال والسهول والحدود، ويقطع البحار والفضاءات، ثم عندما يقترب من مكة المكرمة يصاب فجأة بحالة من فقدان الذاكرة الجغرافية فينسى مهمته، وتضيع منه الإحداثيات، وتصبح الكعبة المشرفة مجرد نقطة عابرة على شاشة الملاحة!!!
فيا لها من تكنولوجيا عجيبة!
صاروخ يعرف الطريق إلى أهدافه، لكنه لا يعرف الطريق إلى مكة!
وكأن المشكلة ليست في الذي أطلقه، وإنما في الصاروخ المسكين الذي قرر ـ من تلقاء نفسه ـ أن يغيّر برنامجه، ويقول لقائده: «سامحني... يبدو أنني اشتقت إلى مكة»!
لكن المسألة في حقيقتها ليست نكتة تقنية.
فحين تقترب النار من مكة تنتهي صلاحية جميع النكات.
فمكة ليست مدينة عادية في الوعي الإسلامي، والكعبة ليست منشأة عسكرية، والبيت الحرام ليس ورقة ضغط في بازار السياسة الإقليمية.
إنها قبلة المسلمين، ورمز وحدتهم الروحية، ومكان ارتبط في وجدانهم بالتوحيد والأمن والحرمة.
ولهذا فإن محاولة اختزال الأمر في عبارة من قبيل «خطأ في التوجيه» لا تجيب عن السؤال الأهم:
من الذي وجّه الصاروخ أصلًا؟
فالخطأ التقني ـ إن ثبت ـ قد يفسر انحراف قطعة من الحديد عن مسارها، لكنه لا يفسر عقلية تجعل إطلاق الصواريخ بعيدة المدى نحو منطقة تضم أقدس مقدسات المسلمين جزءًا من لعبة الرسائل السياسية.
وهنا تصبح المفارقة أكثر مرارة من السخرية:
يُقال للناس إنهم أمام «تقنيات دقيقة»، ثم يُطلب منهم في اللحظة نفسها أن يصدقوا أن هذه التقنيات لا تعرف الفرق بين هدف عسكري ومكة!
أي دقة هذه التي تبدأ بالدقة وتنتهي عند المقدسات؟
إن أخطر ما في القضية ليس فقط سقوط مقذوف أو اقترابه من منطقة محرمة، وإنما محاولة تطبيع فكرة إدخال المقدسات في الصراع السياسي والعسكري؛ لأن المقدسات حين تتحول إلى أدوات في المناكفات، لا يعود الخطر محصورًا في حدود دولة، بل يمتد إلى الوجدان الجمعي لمئات الملايين من المسلمين.
وهنا ينبغي التفريق بوضوح بين نقد سياسات دولة أو خوض صراع سياسي معها، وبين جعل مكة المكرمة جزءًا من معادلة الردع والرسائل العسكرية.
هناك خطوط حمراء لا تحتاج إلى مفاوضات كي تُفهم.
مكة واحدة، والقبلة واحدة، والحرمة واحدة.
ومن ثم فإن العالم العربي والإسلامي معنيّ بأن يتعامل مع أي تهديد يطال المقدسات باعتباره قضية تتجاوز الاصطفافات السياسية والحسابات الحزبية والمذهبية.
فليس المطلوب أن يتحول الغضب إلى فوضى، ولا أن يصبح الدفاع عن المقدسات ذريعة لمزيد من الصراع، وإنما المطلوب موقف واضح يقول:
الخلافات السياسية لها ساحاتها، والحروب لها قواعدها...... أما مكة فلها حرمتها.
فالأمة قد تختلف في السياسة، وتتنازع في المواقف، وتختلف حكوماتها وأحزابها وجماعاتها، لكنها عندما يتعلق الأمر بمكة، فإن المسألة تتجاوز الخرائط السياسية إلى أعماق العقيدة والوجدان.
لذلك فالسؤال الحقيقي ليس:
هل أخطأت البوصلة؟
بل:
متى تخطئ العقول التي قررت أن تضع مكة أصلًا ضمن دائرة التصويب؟
أما الصاروخ، فله عذره إن أخطأه التوجيه.
لكن من أطلقه، ومن قرر مساره، ومن أدخله في معادلة الصراع، لا يستطيع أن يختبئ خلف عبارة:
«خطأ فني».
فبعض الأخطاء تصلحها إعادة البرمجة...
أما حرمة مكة فلا تصلحها إعادة البيانات.