آخر تحديث :الخميس-08 أكتوبر 2026-01:42ص

الزلزال العظيم.. حين تهتز الجغرافيا ويتغير التاريخ

الأربعاء - 16 سبتمبر 2026 - الساعة 05:46 م
د. سلطان مشعل


لم يكن ذلك الزلزال الذي ضرب تركيا وسورية في الأسبوع الأول من شباط/فبراير 2023م لم يكن مجرد كارثة طبيعية بل لحظة كاشفة لتحولات جيوسياسية كانت تتشكل تحت سطح المنطقة. وبعد ما يقرب من ثلاثة أعوام تبدو الأفكار التي طرحتها آنذاك في مقال «الزلزال العظيم وآثاره السياسية» عبر منصة «عدن الغد» أقرب إلى قراءة مبكرة لمسار أخذ يتبلور.

فالمنطقة تقع عند تقاطع آسيا وأوروبا والشرق الأوسط والبحرين الأسود والمتوسط ولذلك يمتد أي اضطراب فيها إلى التجارة والطاقة والأمن والهجرة والاتصال بين القارات. وقد كشف الزلزال هشاشة خرائط سياسية عمرها قرن وأظهر أن الحدود الثابتة على الورق لا تلغي حقائق الجغرافيا ولا تمنع عودة مناطق معينة إلى مركز الاهتمام الدولي حين تتغير موازين القوة والمصالح.


في عام 2023م كانت تركيا تقترب من مرور مائة عام على معاهدة «لوزان» التي شكلت تركيا الحديثة فيما أسهمت «سايكس ــ بيكو» في تشكيل سورية الحديثة. ولم يكن استحضار المعاهدتين مجرد عودة إلى التاريخ بل محاولة لفهم كيفية إعادة تفسير الخرائط القديمة عندما تتغير وظائف الممرات ومراكز النفوذ ومصادر القوة من دون أن يعني ذلك بالضرورة إعادة رسم الحدود.

وقد كشفت السنوات التالية أن العالم لا يتحرك وفق خرائط الدول وحدها بل وفق شبكات الطاقة والتجارة والموانئ وسلاسل الإمداد والأمن الإقليمي. ومن المفارقات أن الاتحاد الأوروبي وصف الزلزال بأنه من أكبر الكوارث التي شهدتها أوروبا خلال قرن في تذكير بأن تركيا وسورية ترتبطان بأمن أوروبا ومصالحها عبر الهجرة والطاقة والأمن البحري والإرهاب وسلاسل الإمداد رغم تعقيد موقعهما السياسي.

ومن هنا كان الزلزال كاشفا أكثر منه صانعا! فهو لم ينشئ التحولات الجيوسياسية لكنه أظهر تداخلها وكشف ترابط الأقاليم وعودة الجغرافيا إلى موقعها الحاسم في صناعة القرار الدولي.

وبقى السؤال الأهم: أين العرب من هذه التحولات؟

تقع المنطقة العربية في مركز المعادلة بفضل ممراتها البحرية ومواردها وامتدادها بين قارات ومناطق حيوية. لكن الموقع لا يتحول تلقائيا إلى قوة بل يحتاج إلى استقرار ومؤسسات وبنية تحتية وقرار سياسي وقدرة اقتصادية. وفي حين تتعامل الدول العربية غالبا مع هذه المزايا بوصفها معطيات طبيعية تنظر إليها القوى الأخرى باعتبارها مفاتيح ومراكز نفوذ تسعى إلى تأمينها أو التحكم في وظائفها.


لقد شهد العالم بعد نشر المقال حروبا مترابطة في أوروبا والشرق الأوسط واضطربت سلاسل التجارة والطاقة وعاد الخليج العربي والبحر الأحمر وخليج عدن إلى سلم الأولويات الدولية. وأكدت هذه التطورات أن الجغرافيا تتحول إلى قوة سياسية حين ترتبط بالممرات الحيوية ومصادر الطاقة وشبكات التجارة وأن السيطرة على هذه الشرايين أو حمايتها أصبحت عنصرا أساسيا في التنافس الدولي.

لقد كان الزلزال نافذة أظهرت انتقال العالم من مرحلة تُقاس فيها القوة بحدود الدول وحدها إلى مرحلة تُقاس فيها أيضا بالقدرة على التحكم في الشبكات والعقد الجغرافية. وتكمن الأهمية السياسية للزلزال في أنه كشف خريطة أعمق تتشكل بفعل التجارة والطاقة والأمن والنفوذ.

وأصبح الدرس الحاسم أن الجغرافيا العربية لا قيمة استراتيجية لها ما لم تتحول إلى قرار ومؤسسات ومشروعات وشراكات تحمي الممرات وتربط الأسواق وتؤمّن الطاقة. وعلى الدول العربية بناء إطار عملي للأمن البحري واللوجستي والطاقة والبنية التحتية والاستجابة للكوارث مع تنويع الشراكات وحماية القرار الوطني. فإما أن تصبح المنطقة فاعلا يحدد وظائف جغرافيته وإما أن تبقى ساحة تُعاد صياغتها وفق مصالح الآخرين!

ولم يعد هنالك من وقت لتأجيل هذا الخيار.