آخر تحديث :الأربعاء-16 سبتمبر 2026-12:14م

طارق صالح ونموذج المخا

الأربعاء - 16 سبتمبر 2026 - الساعة 11:13 ص
صالح البيضاني


لا تربطني أي علاقة بطارق صالح أو بمشروعه السياسي، بل إنني من الأشخاص الذين لم تتم دعوتهم إلى أي من المناسبات التي كانت تقام في المخا، التي مثلت لسنوات مركز ثقله السياسي والعسكري، وكان يتقاطر عليها إعلاميون وسياسيون من كل حدب وصوب، وبعض هؤلاء أصبحوا اليوم من أشد الشامتين به. لكن هذه المسافة الشخصية والسياسية لا تمنعني من القول إن طارق نجح خلال السنوات الماضية في بناء نموذج جيد في الساحل الغربي، خصوصا في مجالات الخدمات والأمن والتعليم والصحة والمرافق العامة، وكأنه كان يحاول استعادة جانب من صورة الدولة اليمنية قبل أن تتلاشى آخر ملامحها بفعل الانقلاب الحوثي والحرب.

قدم هذا النموذج، رغم نواقصه، صورة مصغرة لسلطة محلية تستعيد بعض وظائف الدولة، وهو ما لم يرق لكثير من الأطراف وفي مقدمتها جماعة الحوثي. غير أن ما اعتبر نقطة قوة في تجربة طارق حمل في داخله جانبا من نقاط ضعفها، إذ استنزف بناء هذا النموذج وقتا وجهدا كان يمكن توجيه جزء أكبر منه إلى بناء قوة ردع أكثر استعدادا لما يمكن أن يحدث. والأمر نفسه ينسحب على قواته التي أعاد تشكيلها إلى حد كبير على صورة الجيش اليمني قبل الحرب، بلا أيديولوجيا مذهبية أو عقائدية، وإنما بهوية وطنية وانتماء عسكري تقليدي. وهذه ميزة مهمة عند بناء الدولة، لكنها قد تصبح نقطة ضعف في مواجهة جماعة تخوض صراعا أيديولوجيا عميقا وتعتمد في الحشد والتعبئة على خطاب عقائدي وطائفي كثيف.

في تقديري، حاول طارق أن يبني نموذجه للدولة والجيش وهو لا يزال أسيرا إلى حد ما لثقافة ما قبل الحرب وعاطفتها، فأعاد إنتاج كثير من ملامح الدولة التي عرفها في عهد عمه علي عبدالله صالح، بإيجابياتها وأخطائها، من دون أن يمنح التحولات الهائلة التي أحدثتها سنوات الحرب الوزن الكافي. وقد حذرت مبكرا من بعض هذه الإشكالات في مقال نشرته عام 2023، وتوقعت فيه جانبا من المخاطر التي ظهرت لاحقا بصورة أكثر وضوحا.

لكن المسألة اليوم تتجاوز تقييم تجربة طارق نفسها. فتصفية التركة السياسية لعلي عبدالله صالح كانت، بدرجات وأسباب مختلفة، هدفا مشتركا لأطراف عديدة، وما يجري اليوم يمكن قراءته في سياق استكمال هذه العملية عبر إضعاف طارق صالح وإزاحته سياسيا من المشهد باعتباره واحدا من آخر التعبيرات السياسية والعسكرية البارزة عن تلك التركة.

المشكلة هنا لا تتعلق بما إذا كان طارق قد أخطأ أو أصاب، ولا بما إذا كان نموذجه قد نجح أو تعثر، بقدر ما تتعلق بما سيتركه غيابه من فراغ سياسي وعسكري، وبهوية القوى التي ستتقدم لملئه. فإزاحة لاعب من المشهد قد تكون سهلة، لكن التحكم في الفراغ الذي يتركه أكثر تعقيدا، خصوصا في بيئة يمنية مزدحمة بالقوى الأيديولوجية والمشاريع المتصارعة. وربما تكون هذه هي المسألة التي تستحق التفكير اليوم أكثر من الشماتة في سقوط طرف أو الاحتفاء بإضعاف آخر.