آخر تحديث :الأربعاء-16 سبتمبر 2026-12:14م

الضالع.. حين يثقل الصمت كاهل قلعة الأحرار

الأربعاء - 16 سبتمبر 2026 - الساعة 10:35 ص
فؤاد المقرعي


يا أسفاهُ على ضالع الأمجاد، ويا وجعًا يتسلل إلى تفاصيل مدينةٍ عرفت المجد يومًا، وكتبت على صخور جبالها حكاياتٍ طويلة من الصمود والتضحيات.

ماذا جرى لكِ يا ضالعنا الحبيبة؟ وأي حزنٍ هذا الذي يخيم على ربوعك؟ وأي صمتٍ ثقيلٍ يخيّم على أرضٍ طالما عُرفت بأنها صوتٌ في وجه الظلم، ومأوىً للباحثين عن الكرامة والأمان؟

لم تكن الضالع طوال تاريخها مجرد بقعةٍ جغرافية، بل كانت مدرسةً للرجال، وميدانًا للتضحيات، وأرضًا قدّم أبناؤها الكثير في لحظاتٍ عصيبة. وفي مقدمة هؤلاء أبناء مديرية الأزارق، الذين كان لهم حضورٌ بارز في مختلف مراحل الدفاع عن مناطقهم ومواجهة التحديات التي عصفت بالمحافظة.

ولهذا، فإن ما يُثار اليوم من مخاوف بشأن تزايد أعمال العنف والجريمة واستهداف الشباب في عددٍ من مناطق الضالع، لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره أحداثًا عابرة؛ فالدم حين يُراق ظلمًا لا يترك وراءه سوى مزيدٍ من الألم، والخوف حين يتسلل إلى المجتمع يهدد أمن الناس وثقتهم بمستقبلهم.

الأزارق، تلك المديرية التي عُرفت برجالها وشبابها وتضحيات أبنائها، تستحق أن تكون عنوانًا للأمن والاستقرار، لا أن تتحول إلى مساحةٍ للقلق والخوف. وأبناء هذه الأرض الذين دفعوا أثمانًا باهظة في سبيل الدفاع عن محافظتهم، يستحقون اليوم أن يروا ثمرة تلك التضحيات في أمنٍ يحميهم، وعدالةٍ تنصفهم، ومؤسساتٍ تصون كرامتهم.

وهنا يبرز السؤال الذي لا ينبغي أن يضيع وسط ضجيج الأحداث:

من المسؤول عن حماية الناس؟ ومن يضع حدًا لهذه الفوضى؟

إن مواجهة الجريمة ليست مسؤولية فردٍ أو جماعة، وإنما مسؤولية الأجهزة الأمنية والسلطات المحلية والمجتمع بأسره. ولا يمكن أن تستعيد الضالع عافيتها إلا بسيادة القانون، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في الاعتداء على المواطنين، بعيدًا عن الانتقائية أو الحسابات الشخصية والسياسية.

الصمت أمام الجريمة لا يصنع أمنًا، والتساهل مع الخارجين عن القانون لا يحمي مجتمعًا، كما أن تحميل المسؤولية جزافًا لأي طرف دون أدلة وتحقيقات عادلة لا يخدم الحقيقة.

الضالع اليوم بحاجة إلى كلمةٍ واحدة تجمع أبناءها: كفى دمًا، كفى خوفًا، وكفى صمتًا عن الجريمة.

هي بحاجة إلى أن يستعيد القانون هيبته، وأن يشعر المواطن أن حياته وكرامته مصانتان، وأن دماء الضحايا لن تُنسى، وأن العدالة ستصل إلى كل من تثبت مسؤوليته، أيًا كان موقعه أو انتماؤه.

فالضالع أكبر من أن تختصر في حادثة، وأعز من أن تُختطف صورتها بتاريخٍ من الدماء، وأقوى من أن يسمح أبناؤها بأن يتحول اختلافهم إلى بابٍ للفوضى.

يا أبناء الضالع.. إن حماية محافظتكم لا تبدأ بالسلاح، بل بوحدة الكلمة، وباحترام القانون، والوقوف مع الحقيقة، ورفض الجريمة من أي جهةٍ جاءت.

فالضالع التي أنجبت رجالًا في أصعب الظروف، قادرةٌ أيضًا على أن تنجب من يصنعون السلام، ويحفظون الدماء، ويعيدون للأرض أمنها وللناس طمأنينتهم.

ويبقى الأمل معقودًا على أن تنتصر الضالع لعقلها، ولأبنائها، ولتاريخها؛ وأن يكون القادم أكثر أمنًا وعدلًا ورحمة.