وهم الخسارة ومفارقة المصالح
في السردية الإعلامية السائدة، تُختزل تحولات الساحل الغربي وباب المندب في مشهد أحادي الجانب:
مكسب استراتيجي خالص لطهران، وتهديد دائم للمصالح الدولية، وفي مقدمتها الأمن القومي السعودي والمظلة الأمريكية. هذا التفسير التقليدي -المنطلق من العداء المزمن بين واشنطن وإيران- يغفل عمداً عن مفارقة أعمق وأكثر دهاءً في صلب الاستراتيجية الأمريكية بالمنطقة.
فالتناقض الظاهر بين حجم التصعيد وخمول الاستجابة المباشرة يطرح تساؤلاً جوهرياً:
هل حقاً طهران هي المستفيد الأوحد من هذا المخاض الجيوسياسي، أم أن واشنطن تُدير الأزمة بعناية فائقة لتحقيق مكاسب استراتيجية واقتصادية كبرى لا تقل عمّا يحصده خصومها؟
أولاً: خفايا الرفض الأمريكي.. عقيدة "الاحتواء المُدار"
في منتصف سبتمبر، وتزامناً مع تقدم الحوثيين في حيس والخوخة وذوباب وميناء المخا وتمددهم نحو باب المندب (شريان التجارة الدولية ومقتل صادرات الطاقة)، تقدمت الرياض بطلب صريح لتدخل عسكري أمريكي مباشر. غير أن الرد جاء قاطعاً بالرفض والتحفظ، متذرعاً بعدم رغبة الحوثيين في الصدام المباشر مع واشنطن.
هذا المبرر لم يكن سوى "غلاف دبلوماسي" أخفى وراءه ملامح عقيدة "الاحتواء المُدار"؛ استراتيجية تختار فيها واشنطن عدم وأد الأزمات في مهدها، بل تركها تتفاعل ضمن حدود مدروسة تضمن استنزاف الخصوم وإبقاء الحلفاء في حاجة ماسة للمظلة الأمريكية.
ثانياً: الحصاد الجيوسياسي والعسكري
حققت واشنطن من رحم هذه التوترات مكاسب ميدانية وهيكلية بارزة تجسدت في أبعاد عدة منها:
توفير غطاء مستدام للوجود العسكري:
مثلت الأزمة مبرراً قانونياً وعملياتياً لتكريس وتطوير التواجد الدائم للأسطول الأمريكي في البحرين الأحمر والعربي، مانحة البنتاغون أريحية ميدانية غير مسبوقة.
تعميق الارتباط الأمني الخليجي: أدت حالة التوتر إلى تعميق الاعتماد على الأجندة العملياتية والقيادية للقيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، مما عزز حالة الارتباط الاستراتيجي والعسكري وأبطأ من أي محاولات للانفكاك الذاتي.
اختبار هشاشة "التحالفات البديلة":
استغل صانع القرار الأمريكي الأحداث لاختبار فاعلية الترتيبات الأمنية الإقليمية المدارة بمعزل عنها (مثل "تحالف مكة الدفاعي")، لتكشف الأحداث عن هشاشة هذه التحالفات وعجزها التام عن الاستعاضة عن واشنطن.
إعادة هندسة الخرائط الدبلوماسية:
أدت الأزمة إلى تعطيل مسارات إقليمية مقلقة لواشنطن (كالحوارات الإيرانية برعاية عمانية)، بالتوازي مع صرف الأنظار الدولية والعربية عن المآسي الجارية في الأراضي الفلسطينية لصالح انشغالات أمنية موضعية.
ثالثاً: جغرافيا المال.. الاقتصاد وصفقات الطاقة
لن تكون العوائد العسكرية بمعزل عن الأرباح الاقتصادية الضخمة التي تصب في مصلحة الاقتصاد الأمريكي عبر مسارات تجارية ومالية مباشرة منها:
انتعاش قطاع الصناعات الدفاعية:
يُنعش المناخ الإقليمي المشتعل حالة الطلب المستمر على منظومات الدفاع الجوي وعقود حماية الملاحة طويلة الأجل مع عواصم المنطقة، مما يصب في صالح كبرى شركات التسليح.
احتمال تصدير التضخم للخصوم:
إن أي ديمومة أو توسع محتمل في نطاق التهديدات قد يدفع خطوط الشحن العالمية نحو خيار الالتفاف عبر "رأس الرجاء الصالح"، مما سيضاعف تكاليف النقل البحري ويضع أعباء تضخمية جديدة على اقتصادات الاتحاد الأوروبي والصين والأسواق الآسيوية، في حين يحافظ الاقتصاد الأمريكي على حصانة نسبية بفضل تنوع خياراته.
رابعاً: الانعكاسات على الداخل الأمريكي:
السياسة والطاقة
تنتقل ارتدادات "الاحتواء المُدار" لتنعكس إيجاباً على المعادلة الداخلية الأمريكية، مساهمة في تخفيف الانتقادات لمتخذ القرار الأمريكي وخلق حالة من الرضى الشعبي حيال التعامل مع الأزمات الخارجية.
المكاسب الانتخابية المرتقبة: من الممكن أن يُوَظَّف الملف ببراعة لخدمة الحظوظ الانتخابية للحزب الجمهوري في استحقاقات الكونغرس القادمة، عبر تقديم خطاب حازم يبرز قدرة الإدارة على إدارة الأزمات وحماية المصالح القومية.
إمكانية ضبط أسعار الطاقة محلياً في المستقبل القريب : ستسعى الإدارة الأمريكية لاستثمار هذه المعطيات كأداة ضغط مستقبلية على أسواق الطاقة لضمان تدفق النفط الخليجي بأقل التكاليف، مما سيساهم لاحقاً في كبح جماح التضخم داخل السوق الأمريكي، تاركاً باقي العالم يكتوي بنيران غلاء المعيشة.
الخلاصة
خلاصة القول؛ إن ما يجري في الساحل اليمني وباب المندب ليس انتصاراً إيرانياً أحادياً، ولا هو بفوضى عشوائية، بل هو "بؤرة مدارة بعناية" في المخبر الاستراتيجي الأمريكي. تُحصد من ورائها أرباح طائلة تغذي خزائن السلاح، وتؤمن مصالح الطاقة، وتكرس الهيمنة، وجميعها مكاسب تُجنى مباشرة على حساب استقرار الإقليم ومقدرات شعوبه.