اقتربت الذكرى (64) للإنعتاق من الكهنوت والاستبداد في السادس والعشرين من سبتمبر 62 وفجر ثورة الرابع عشر من اكتوبر 63 الذكرى (63) . ولازلنا نعاني من أخطر الآفات التي تمر بها الشعوب وتوردها للانتكاسات حين تنشأ وتتصدر جماعات تتمصلح قي تكريس سياسة عبادة الفرد تحت وهم صناعة الزعيم المطاع فأنها لا تصنع زعيماً بل تصنع مستبداً ، كما تصنع جوقة من المصفقين والمنتفعين والمتزلفين ، لتحوّل الخطأ إلى حكمة، والاستبداد إلى ضرورة، والفشل إلى مؤامرة. وحين يصبح الولاء للشخص مقدماً على الولاء للوطن، تتراجع الدولة، وتُهمّش المؤسسات، ويغيب القانون والعدل ، ويتحول المواطن إلى تابع ينتظر رضى الزعيم وإشارته.
وقد أثبتت التجارب أن الأوطان لا تُبنى بالهتافات ولا بتقديس الأشخاص وصناعة الأصنام ، وإنما تُبنى بالمؤسسات، والعدالة، وتكافئ الفرص، واحترام إرادة الناس، وتداول المسؤولية على أساس الكفاءة والنزاهة. أما تعليق مصير شعب كامل على فرد أو جماعة أو سلالة أو منطقة، فهو طريق مباشر إلى التشظي والانقسام والاقتتال وضياع المستقبل .
وفي اليمن شماله وجنوبه ، لن تنتهي معاناة الناس ما لم يتحرر الوعي الجمعي من هذه التبعية، أياً كان مصدرها أو غطاؤها. فلا قداسة في السياسة، ولا عصمة للحاكم، ولا يحق لأي شخص أن يختزل الوطن في ذاته أو أن يُنصّب نفسه وصياً على شع
ب كامل. اليمن جنوبه وشماله ملك لأبنائه، وليس مزرعة خاصة لزعيم صنم أو جماعة أو رهين اجندة خارجية .
إن الخروج من هذه الدائرة يبدأ بإعلاء قيمة الإنسان ، وترسيخ ثقافة السؤال والنقد الإيجابي والمحاسبة، ورفض تحويل الخلاف السياسي إلى فجور في الخصومة وخصومة مناطقية أو طائفية . كما يتطلب بناء دولة تحمي الجميع، وتحتكم إلى الدستور والقانون، وتمنح المواطن حقه في اختيار من يحكمه ومحاسبته وعزله بالوسائل السلمية والمؤسسية.
فلا خلاص لبلادنا من عبادة الفرد إلا باستعادة وعيه، ولا استعادة للوعي إلا بكسر الخوف، ولا كسر للخوف إلا حين يدرك الناس أن الوطن أكبر من الأشخاص، وأن الدولة أبقى من الزعامات، وأن كرامة الشعوب لا تُصان بالارتهان، بل بالحرية والعدالة والمسؤولية . فيا هؤلاء كفوا عن صناعة الأصنام فقد أوردوا شعبهم إلى التهلكة .
ياسين مكاوي