لم يعد السؤال بعد التطورات الأخيرة في الساحل الغربي: هل خسر المعسكر المناهض للحوثيين جولة عسكرية؟ فهذا أصبح واقعاً لا يمكن تجاهله، مهما اختلفت الروايات حول حجم الخسارة وأسبابها.
السؤال الأهم هو: لماذا حدث ما حدث؟ ومن أصدر قرار الانسحاب؟ وهل كان الأمر نتيجة خلل عسكري ميداني، أم قرار سياسي أكبر؟ وماذا تعني إعادة تشكيل قوات الساحل الغربي في هذه اللحظة؟
والأهم من ذلك كله: هل نحن أمام مجرد إعادة انتشار بعد انتكاسة عسكرية، أم أمام إعادة صياغة للعلاقة بين طارق صالح وبقية مكونات مجلس القيادة الرئاسي، وبين القوى اليمنية والتحالف، وخصوصاً المملكة العربية السعودية؟ بحسب الرواية التي قدمها الناطق باسم المقاومة الوطنية اللواء صادق دويد، فإن الهجوم الحوثي على الساحل الغربي لم يكن عملية عابرة، بل هجوماً واسعاً أُعد له منذ أشهر، وشهد حشداً بشرياً ونارياً كبيراً واستخداماً مكثفاً للصواريخ والطائرات المسيّرة، وأن المقاومة دفعت خلاله ثمناً بشرياً باهظاً.
هذه الأرقام والتفاصيل تحتاج، بطبيعة الحال، إلى تحقق مستقل، لأنها صادرة عن طرف مشارك في المعركة، لكن ما حدث كشف مجدداً هشاشة تعدد مراكز القرار العسكري داخل المعسكر المناهض للحوثيين.
فالانسحاب في حد ذاته ليس هزيمة، وقد يكون قراراً عسكرياً سليماً إذا كان منظماً ومخططاً له، لكن المشكلة تبدأ عندما لا تكون الإجابة واضحة عن الأسئلة الأساسية: من أصدر القرار؟ ومتى؟ ولماذا؟ وهل كان جزءاً من خطة لإعادة الانتشار، أم نتيجة انهيار مفاجئ؟
ومن هنا تصبح الدعوة إلى تحقيق مهني وشفاف ضرورة وطنية، لا اتهاماً لأحد، لمعرفة ما حدث وتحديد المسؤوليات ومنع تكرار الأخطاء.
وسط هذه الأسئلة، جاء التطور الأكثر إثارة للاهتمام. ففي 13 سبتمبر أصدر الفريق أول ركن طارق صالح القرار رقم (188) بتشكيل «قوة المقاومة التهامية» من الفرقتين الأولى والثانية للمقاومة الوطنية، ومنحها استقلالية مالية وإدارية وعملياتية، وربطها بالعمليات المشتركة للتحالف، مع تعيين اللواء زايد منصر قائداً لها.
ثم ظهر في اليوم التالي قرار جمهوري متداول بتعيين العميد الركن إبراهيم سالم علي معصلي قائداً عاماً للألوية التهامية، مع ضمها مالياً وإدارياً إلى وزارة الدفاع.
وهنا تبرز مفارقة تستحق التوقف: قرار طارق يتحدث عن قوة تهامية مستقلة عن المقاومة الوطنية، بينما القرار الجمهوري المتداول يعيد الألوية التهامية إلى الإطار المالي والإداري لوزارة الدفاع، فضلاً عن اختلاف اسم القائد في القرارين.
فهل نحن أمام قرارين متناقضين؟ ليس بالضرورة، فقد يكون قرار طارق قد عالج الجانب العسكري والتنظيمي بفصل القوة التهامية عن المقاومة الوطنية، بينما يعالج القرار الجمهوري وضعها المؤسسي والقانوني بوضعها ضمن وزارة الدفاع.
وبذلك قد يكون المقصود استقلال القوة التهامية عن المقاومة الوطنية كتنظيم عسكري، وليس استقلالها عن الدولة.
لكن إذا كان تعيين معصلي يعني فعلاً استبدال زايد منصر في الموقع القيادي نفسه، فإن السؤال يصبح أكثر حساسية: هل نحن أمام تفاهم وتنسيق بين طارق والقيادة السياسية، أم أمام تدخل لتعديل أو إعادة توجيه القرار السابق؟
حتى الآن لا يمكن الجزم، ويظل نشر النص الرسمي الكامل للقرار الجمهوري هو الفيصل، ومن الخطأ أيضاً القفز إلى استنتاج وجود قطيعة داخل مجلس القيادة بين طارق صالح ورئيس المجلس رشاد العليمي.
فقد شارك طارق في اجتماعات سابقة للمجلس حضورياً وعن بعد، وأُعلن في بعض حالات غيابه أنه كان بعذر.
لكن ذلك لا يعني غياب الاختلافات في الرؤية والمصالح ومراكز القوة، فمجلس القيادة ليس حزباً واحداً، بل صيغة جمعت قوى سياسية وعسكرية متعددة، لكل منها مشروعها وشبكات نفوذها وعلاقاتها الإقليمية.
طارق يرى في الساحل والبحر الأحمر وباب المندب مسرحاً مركزياً للصراع، فيما يمثل سلطان العرادة مركز ثقل مختلفاً في مأرب والجبهات البرية، ويمتلك المجلس الانتقالي والعمالقة وغيرهما قوى ومشاريع خاصة.
الاختلاف في الرؤى طبيعي، لكن الخطر يبدأ عندما يتحول إلى تضارب في القرار العسكري، ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يختلف طارق مع العليمي أو العرادة؟ بل: هل توجد قيادة استراتيجية موحدة للحرب؟
رسالة رشاد العليمي بعد الانتكاسة حملت دلالة واضحة، إذ أكد أن مسار المعارك الوطنية الكبرى لا تحدده تغيرات عارضة في خطوط المواجهة، وإنما صلابة الإرادة ووحدة الهدف والقرار والقدرة على استعادة المبادرة.
أما سلطان العرادة فاختار خطاباً أكثر هدوءاً، مؤكداً أن ما حدث مؤلم، لكنه لا يغير هدف استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب.
واللافت أن الموقفين ابتعدا عن تبادل الاتهامات، وهو أمر مهم، لأن تحويل الانتكاسة العسكرية إلى صراع بين مكونات الشرعية سيكون أخطر من الخسارة الميدانية نفسها.
ولا يمكن في هذا السياق تجاهل العامل السعودي، فقد جاءت التطورات بالتزامن مع وصول طارق صالح إلى الرياض، ثم صدور قرار إعادة تشكيل القوة التهامية.
وهذا لا يعني تلقائياً أن السعودية فرضت القرار أو أن هناك صداماً بينها وبين طارق، لكنه يجعل الدور السعودي في إعادة ترتيب القوات والقرار العسكري أمراً لا يمكن استبعاده من التحليل.
والسؤال الصحيح ليس فقط: هل السعودية غاضبة من طارق؟ بل: ماذا تريد السعودية من الساحل الغربي بعد هذه الانتكاسة؟ هل تريد توحيد مراكز القيادة؟ إعادة تنظيم القوات؟ تعزيز حضور وزارة الدفاع؟ أم إيجاد صيغة تجعل القوات المحلية أكثر ارتباطاً بغرفة العمليات المشتركة؟
الإجابة ستظهر من طبيعة الترتيبات المقبلة. وقد يكون ما يحدث بداية عملية أوسع لإعادة هندسة قوات الساحل الغربي.
فقرار طارق فصل القوة التهامية عن المقاومة الوطنية، ثم جاء القرار الجمهوري المتداول ليضعها في إطار وزارة الدفاع.
وإذا ثبت أن القرارين جرى تنسيقهما، فنحن أمام انتقال من قوة مرتبطة بقيادة محلية، إلى قوة تهامية مستقلة تنظيمياً، ثم إلى قوة أكثر ارتباطاً بالمؤسسة العسكرية الرسمية.
أما إذا ثبت أن القرار الثاني جاء لإلغاء أو تجاوز قرار طارق، فنحن أمام مؤشر على خلاف حقيقي حول من يملك القرار العسكري في الساحل.
ولهذا فإن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة في الإجابة عن أسئلة جوهرية: من سيكون القائد الفعلي؟ أين ستكون تبعية القوة؟ من سيمسك التمويل والإدارة؟ ومن سيصدر الأوامر العملياتية؟
ما حدث في الساحل الغربي ليس مجرد خسارة مواقع، بل اختبار حقيقي لقدرة مجلس القيادة على إدارة الحرب باعتباره مؤسسة واحدة، لا تجمعاً لقادة وقوى لكل منهم مركز قرار مستقل.
يمكن خسارة جولة عسكرية وإعادة بناء الجبهة، لكن الأصعب هو خسارة الثقة بين مكونات القيادة.
ولهذا فإن المطلوب الآن ليس أن ينتصر طارق على العليمي، أو العرادة على طارق، ولا أن تنتصر قوة على أخرى؛ بل أن ينتصر قرار الدولة على تعدد مراكز القرار.
وقد يكون تشكيل المقاومة التهامية وإعادة ترتيب قيادتها بداية لهذه العملية، وقد يكون مؤشراً على صراع جديد حول النفوذ في الساحل، والفاصل بين الاحتمالين ستكشفه الأيام القادمة.
لكن السؤال لم يعد فقط: من خسر الساحل؟ بل أصبح: من يملك القرار العسكري في الساحل الغربي؟ ومن يقود الحرب فعلياً؟ وهل يستطيع مجلس القيادة تحويل هذه الانتكاسة إلى بداية لإعادة توحيد القرار، أم أنها ستتحول إلى جولة جديدة من الصراع داخل المعسكر المناهض للحوثيين؟
فالخطر الحقيقي ليس سقوط موقع أو خسارة جولة، وإنما أن تتحول الخسارة إلى خلاف دائم بين من يفترض أنهم يخوضون المعركة نفسها.
محمد خالد الحسيني