تتحدد القيمة الاقتصادية للطريق البحري بقدرة التجارة على استخدامه ضمن شروط يمكن توقعها. وفي باب المندب، أدت المخاطر الأمنية والسيطرة المسلحة على مواقع مؤثرة في الممر ومحيطه إلى زيادة عدم استقرار هذه الشروط.
أظهرت أزمة البحر الأحمر حجم الأثر، إذ تراجعت حركة الملاحة عبر باب المندب بنحو ثلاثة أرباع مقارنة بالمستويات التاريخية، وتحولت سفن إلى مسارات أطول حول رأس الرجاء الصالح.
يبدأ الأثر الاقتصادي قبل تحرك السفينة، عندما تعيد الشركات تقدير تكلفة الطريق وزمنه والموارد اللازمة لاستمرار التجارة.
أولًا: التأمين يعيد تسعير المسار
في يوليو 2026 ارتفعت أقساط مخاطر الحرب للرحلات في جنوب البحر الأحمر من نحو 0.3% من قيمة السفينة إلى نحو 0.75% خلال فترة قصيرة، ثم تجاوزت 1% لبعض الرحلات، ووصلت عروض محددة إلى نحو 3% للرحلات الأقرب إلى المياه اليمنية.
هذه الزيادة لا تعني ارتفاع بند في فاتورة الرحلة فقط. شركة الملاحة تحتاج إلى معرفة تكلفة التأمين وشروط التغطية قبل اتخاذ قرار استخدام المسار، وكلما أصبح تسعير الخطر أكثر تذبذبًا، أصبح التخطيط المالي للرحلة أكثر صعوبة.
لذلك قد يصبح المسار أقل جاذبية حتى عندما تظل الملاحة ممكنة، لأن تكلفة استخدامه لم تعد مستقرة بما يكفي لبناء قرار تجاري طويل الأجل.
ثانيًا: الخطر يتدخل في شروط التجارة والتمويل
الشحنة البحرية ترتبط بعقد بيع، وشروط تسليم، وتمويل، وضمانات، وتأمين، والتزام بموعد وصول. تغير احتمالات التأخير أو تغيير المسار يمكن أن يدفع الأطراف إلى تشديد شروط الصفقة قبل تحرك البضاعة.
تزداد حساسية هذه القناة في اليمن لأن تمويل التجارة يواجه أصلًا قيودًا مصرفية، وقد وثق البنك الدولي انتقال جزء من تمويل التجارة إلى شركات الصرافة في ظل نقص السيولة وتراجع العلاقات المصرفية الدولية.
عندما يضاف خطر الطريق البحري إلى قيود التمويل القائمة، قد يحتاج المستورد إلى شروط دفع أكثر تحفظًا أو ضمانات أكبر أو سيولة متاحة لفترة أطول. وهكذا يدخل الخطر الجغرافي في تكلفة إتمام الصفقة نفسها.
ثالثًا: طول الرحلة يمدد دورة رأس المال
إذا امتدت الرحلة، تبقى الأموال المستخدمة في شراء البضاعة والنقل والتأمين مرتبطة فترة أطول قبل أن تتحول البضاعة إلى مبيعات وتدفقات نقدية.
وقد أدى تجنب باب المندب في بعض مسارات ناقلات النفط إلى رفع مدة الرحلة من نحو 19 يومًا إلى 48 يومًا، مع ارتفاع تكلفة الوقود من نحو 1.26 مليون دولار إلى 2.87 مليون دولار للرحلة، وفق بيانات نقلتها رويترز في يوليو 2026.
هذه الأرقام تخص رحلة بحرية محددة ولا تمثل تكلفة الاستيراد اليمني مباشرة، لكنها توضح أثر تغيير المسار في دورة رأس المال.
وبالنسبة للمستورد، تعني الرحلة الأطول بقاء الأموال المرتبطة بالشحنة فترة أطول، وقد تعني حاجة أكبر إلى تمويل رأس المال العامل للحفاظ على وتيرة الاستيراد نفسها.
رابعًا: تذبذب زمن الوصول يفرض تكلفة مختلفة
طول الرحلة يمكن تسعيره إذا كان معروفًا. المشكلة الاقتصادية تختلف عندما لا يستطيع المستورد معرفة موعد الوصول بدرجة كافية من الثقة.
إذا كانت الشحنة تصل في مدة ثابتة، يستطيع التاجر تحديد حجم المخزون وتوقيت إعادة الطلب والالتزامات المالية وفق دورة يمكن توقعها، أما عندما تتسع الفجوة بين زمن الوصول المتوقع والفعلي، فيحتاج إلى هامش أمان أكبر.
قد يحتفظ بمخزون إضافي، أو يقدم موعد الطلب، أو يحتفظ بسيولة احتياطية، أو يعيد توزيع مشترياته بين أكثر من منفذ. هذه الموارد لا تزيد قيمة السلعة، لكنها تصبح جزءًا من تكلفة ضمان استمرار الإمداد.
لهذا تختلف تكلفة الرحلة الأطول عن تكلفة الرحلة غير القابلة للتنبؤ. الأولى تزيد مدة استخدام رأس المال، والثانية تزيد الموارد التي يحتاجها التاجر للتحوط من عدم انتظام الإمداد.
خامسًا: الصدمة البحرية تصل إلى تكلفة الحركة داخل اليمن
لا تتوقف آثار اضطراب الممر عند السفينة والمستورد فقط، بل يمكن أن تنتقل إلى الاقتصاد الداخلي عبر الطاقة والنقل والتوزيع.
في 14 سبتمبر 2026 ارتفع سعر البنزين المستورد في مناطق سيطرة الحوثيين من 9,500 إلى 10,500 ريال للـ20 لتر، كما ارتفع الديزل من 9,500 إلى 11,500 ريال للكمية نفسها، وفق تقارير الأسعار المنشورة في ذلك اليوم.
لا تكفي هذه الزيادة لإثبات أن باب المندب كان سبب التسعيرة الجديدة، إذ لا يقدم الإعلان المنشور تفصيلًا كاملًا لمكونات التكلفة التي بُني عليها القرار. لكنها تكشف أهمية قناة انتقال أخرى: ارتفاع تكلفة الطاقة يرفع تكلفة تشغيل الشاحنات ومعدات المناولة والنقل بين الموانئ والأسواق.
وتصبح هذه القناة أكثر أهمية عندما تتزامن مع اضطراب الملاحة وارتفاع تكاليف النقل البحري. فالسلعة التي تتحمل تكلفة إضافية في البحر قد تتحمل تكلفة أخرى بعد وصولها إلى الميناء، أثناء انتقالها إلى المستودع ثم إلى السوق.
يمكن لصدمة مرتبطة بالممر البحري أن تصل بهذه الطريقة إلى تكاليف النشاط داخل الاقتصاد، حتى عندما لا تتوقف التجارة نفسها.
خاتمة
تتجاوز آثار السيطرة على بوابة بحرية حيوية حدود الملاحة نفسها، فالشركات تعيد حساب الصفقة منذ مرحلة التعاقد، ثم تحدد تكلفة التأمين والتمويل، وتقدر المدة التي سيبقى خلالها رأس المال مرتبطًا بالشحنة، وتقرر حجم المخزون والسيولة اللازمين لمواجهة اضطراب الإمدادات.
وتكشف هذه القنوات أن أهمية باب المندب بالنسبة للاقتصاد اليمني لا ترتبط بعدد السفن التي تمر أمام سواحله فقط. الأهم هو ما إذا كان المرور يوفر شروطًا مستقرة يمكن للشركات أن تبني عليها قراراتها التجارية، وما إذا كانت المخاطر المحيطة به تسمح باستمرار هذه القرارات على مدى أطول.
حين تتراجع هذه القدرة، لا تختفي التجارة بالضرورة؛ لكنها تتحمل تكاليف إضافية لا تظهر كلها في أجور الشحن. جزء منها يرتبط بالتمويل، وجزء برأس المال العامل، وجزء بالمخزون والسيولة اللازمة لمواجهة اضطراب الإمداد.
لهذا فإن السيطرة المسلحة على بوابة بحرية لا تقاس آثارها بعدد السفن التي تتوقف عن المرور. بل يظهر أثرها الاقتصادي أيضًا في الموارد التي تضطر التجارة إلى تخصيصها حتى تستمر في العمل.
ــــــــــــــــــــــ
نايف حمود العزي
باحث في اقتصاد الحرب والتحولات الاقتصادية