آخر تحديث :الثلاثاء-15 سبتمبر 2026-11:54ص

تجربة تحرير عدن قد تتكرر في المخا

الإثنين - 14 سبتمبر 2026 - الساعة 10:05 م
محمد المسبحي


أخطر ما في سقوط المخا أن الحوثيين قد يكتشفون أن دخولها كان بداية فخ أكبر. فكلما تمددوا جنوباً، اتسعت خريطتهم، وارتفعت كلفة تثبيت مكاسبهم. وقد تكون المخا بوابة تمدد الحوثيين، أو أول محطة في طريق تراجعهم.

فاليمن سبق أن عاش المشهد نفسه في عدن؛ سقطت المدينة عام 2015 تحت ضغط الحوثيين، ثم انقلبت المعادلة خلال أشهر قليلة، وانتهى العام والحوثيون خارجها.

ولا يعني ذلك أن المخا ستتحرر بالطريقة نفسها أو خلال المدة نفسها، فالجغرافيا والقوات والظروف الإقليمية مختلفة، لكن تجربة عدن تقدم درساً بالغ الأهمية: سرعة السقوط لا تحدد بالضرورة مدة البقاء.

وهنا ينبغي قراءة سقوط المخا بعيداً عن المبالغة في الانتصار أو الهزيمة. الحوثيون حققوا اختراقاً سريعاً وسيطروا على موقع ساحلي بالغ الحساسية، لكن السيطرة على مدينة شيء، وتحويلها إلى قاعدة مستقرة وآمنة شيء آخر.

فالقوة التي تتقدم بسرعة تحتاج إلى تثبيت مواقعها وتأمين انتشارها ومواجهة خصم أصبح أكثر وضوحاً أمامها. وهذه هي المفارقة التي قد تجعل التقدم الحوثي نفسه مصدراً لمشكلة لاحقة.

كلما اتجه الحوثيون جنوباً واقتربوا من باب المندب، خرجوا من مجرد السيطرة على أرض يمنية إلى محاولة فرض نفوذ على عقدة استراتيجية تتجاوز اليمن. فالمخا ليست مجرد مدينة ساحلية، وباب المندب ليس مجرد موقع عسكري؛ نحن أمام ممر بحري يرتبط بأمن البحر الأحمر والتجارة والطاقة.

لكن الخطأ الأكبر هو التعامل مع سقوط المخا وكأنه نتيجة تفوق حوثي مطلق. أحياناً لا تحتاج القوة المهاجمة إلى قدرات خارقة كي تتقدم؛ يكفي أن تجد أمامها جبهة مشتتة، وقرار متردد وتنسيق ضعيف، وحسابات سياسية تتقدم على الحساب العسكري.

وفي الحروب، الفراغ أخطر من قوة الخصم وهذا ما يجب الاعتراف به دون مكابرة. فالمشكلة ليست دائماً في أن الحوثي أصبح أقوى، وانما في أن القوات الحكومية قد تصبح أضعف عندما تتعدد مراكز القرار وتتضارب الحسابات وتغيب الرؤية التي تنظر إلى الساحل باعتباره جبهة واحدة.

تجربة عدن كانت واضحة. عندما توحدت الجهود وتغير ميزان القوة، لم تعد المدينة التي بدت ساقطة بالكامل عصية على الاستعادة. ولذلك فإن الدرس الحقيقي من عدن ليس عدد الأيام أو الأشهر، وإنما سرعة الانتقال من رد الفعل إلى استعادة المبادرة.

المخا اليوم تحتاج إلى هذا الانتقال تحديداً. لا تحتاج إلى بيانات طويلة أو تبادل الاتهامات، بل إلى قرار واضح، وإعادة تنظيم، وتوحيد للجهود، وتحويل القوات التي انسحبت من مواقعها إلى قوة تستعد لاستعادة المبادرة.

والأهم هو حساب الزمن. فالأرض التي تسقط في هجوم خاطف يمكن استعادتها إذا كان الخصم لا يزال في مرحلة التمدد، لكن الأمر يصبح أصعب عندما تتحول السيطرة إلى واقع مستقر.

لذلك فإن الأسابيع الأولى بعد سقوط المخا ليست تفصيلاً زمنياً؛ إنها جزء من المعركة نفسها. إذا تحركت القوات الحكومية الشرعية سريعاً، فقد تتحول المخا إلى معركة استعادة، أما إذا طال الانتظار، فإن الحوثيين سيحصلون على أهم ما تحتاجه أي قوة للتمسك بأرض جديدة: الوقت.

والوقت هنا ليس محايداً؛ كل يوم يمنح الحوثيين فرصة لترتيب واقعهم، بينما يمنح خصومهم فرصة إضافية للانقسام.

أما باب المندب، فهو الحساب الأكثر حساسية. فاستعادة المخا لا تعني تلقائياً استعادة المضيق، ولذلك فإن استعادة الأرض يجب أن تتبعها قدرة على تأمينها ومنع تحويل المنطقة إلى ورقة ضغط دائمة تهدد الملاحة.

وهنا تتسع المسؤولية الدولية، لكن قبل انتظار الخارج، يجب أن تفهم القوى اليمنية أن أحداً لن يستطيع إنقاذ جبهة لا تريد قياداتها أن تنقذ نفسها.

الاستعادة تحتاج إلى قرار قبل أن تحتاج إلى خطاب، وإلى تنسيق قبل أن تحتاج إلى مؤتمرات صحفية.

وقد يكون أخطر خطأ يرتكبه الحوثيون أن يعتقدوا أن ما حدث في المخا هو بداية طريق مفتوح إلى باب المندب، بينما يكون خصومهم قد بدأوا بتحويل هذه الصدمة إلى نقطة انطلاق لمعركة معاكسة.

فالحوثي لن يستثني أحداً. هو لا يريد جهة واحدة في اليمن، ولا يريد اليمن وحدها. خطره يستهدف الشمال والجنوب والشرق والغرب، ويمتد إلى الخليج، ويصطدم بالدين والعروبة والأرض والكرامة والقيم.

ولهذا فإن المعركة ليست معركة المخا وحدها، ولا معركة منطقة ضد أخرى، بل معركة الجميع دفاعاً عن الجميع، وعن كرامتهم ودينهم وقيمهم وأرضهم.

المخا سقطت... نعم، لكن سقوطها قد لا يكون بداية تثبيت المشروع الحوثي على الساحل، بل بداية العدّ التنازلي لمصيره هناك.

قد يظن الحوثيون أنهم فتحوا الطريق إلى باب المندب، ثم يكتشفون أن المخا كانت بداية الطريق الذي سيُخرجهم من الساحل كله.