في كل مرحلة منعطف من تاريخ الشعوب تتجلى الحقيقة ناصعةً رغم تراكم الغبار والزيف ليس الخلل في صمود البسطاء ولا في صبر الجماهير التي تتجرع مرارة الخيبات بل في الإدارات والقيادات التي باعت البوصلة في سوق النخاسة السياسية . والبيت الشعري الشعبي يلومون الجمل يا صاحبي والحق ع الجمّال لم يعد مجرد بيتٍ من الشعر أو مقولة عابرة بل هو التشخيص الأعمق لواقعٍ أليم يتنفس الهزائم وتُنتهك فيه دماء الأبرياء وتُساق فيه الأوطان إلى مساومات رخيصة .
إن الجمل في هذا الواقع ليس سوى هذا الشعب الصابر والجنود المرابطين في الثغور والبسطاء الذين يقدمون أرواحهم وفلذات أكبادهم فداءً للأرض والكرامة يمشون في حقل الشوك ويتحملون أثقال الأزمات ويقتسمون القوت والماء ليبقى الوطن حياً ومع ذلك يُلام هؤلاء عند كل انتكاسة ويُحَمَّلون تبعات الانكسار وكأنهم هم من أداروا المعركة أو خططوا للهزيمة .
أما الجمّال فهو يمثل مركز القرار والنخب التي ارتهنت للخارج والسياسيين الذين تحولت عندهم قضايا الشعوب العادلة إلى بضاعة تُباع وتُشترى في صفقات الغرف المغلقة.
لقد أثبتت الوقائع المريرة أن أكبر الانتكاسات لم تكن بسبب انكسار إرادة الشعوب بل بسبب الخيانات الداخلية والمتاجرة بالتراب الوطني :
تجار الدماء جعلوا من أرواح الشهداء وجراح الجرحى ورقاً للضغط السياسي ووسيلة لجني الأموال وتكديس الثروات في الخارج بينما تعاني أسر الضحايا الفقر والنسيان .
المتاجرة بالأرض أصبحت الأراضي والمواقع الاستراتيجية والقضايا المصيرية أوراقاً يُفاوَض عليها للحصول على مكاسب شخصية أو مناصب زائلة في تنازل صريح عن الكرامة والسيادة .
صناعة الهزيمة حين تُدار المعارك بالنوايا المبيتة وتُساق القوات إلى المجهود الضائع دون غطاء أو إمداد ثم يُقال إن الميدان خذلنا فهذا تزييف مفضوح لأن الهزيمة صُنِعت في المكاتب المكيفة قبل أن تقع في ميدان المواجهة .
إن استمرار تحميل البسطاء والمقاتلين المخلصين مسؤولية التراجع بينما يقف المتسببون الحقيقيون في برج عاجي بعيداً عن الحساب هو جريمة مضاعفة بحق الوطن فالجمل الذي تحمل الأثقال العاتية وسار في الرمال المتحركة لم يقصر بل قُطِعَت خطوط إمداده وتُهِيَ به في الصحراء عمداً .
إن النهوض من ركام الخيانات والهزائم لا يبدأ بالاستمرار في إنهاك البسطاء ومطالبتهم بالصبر إلى ما لا نهاية بل يبدأ بـ تسمية الأشياء بمسياتها ومحاسبة الجمّال الذي فرّط في خط السير وباع الجمل بما حمل وتاجر بالأرواح وحين تستعيد الجماهير وعيها بمركز الداء وتدرك من يمسك بالزمام ووجهته حينها فقط تبدأ أولى خطوات التحرر الحقيقي ويُستعاد الوطن المنهوب .