كتاب «الكنى والأسماء» من مصنفات الإمام الحافظ أبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، المتوفى سنة 261هـ، وهو من المصنفات المبكرة في معرفة أسماء الرواة وكناهم وتمييز بعضهم من بعض.
وقد اشتهر الكتاب عند أهل العلم بهذا الاسم، ونقل منه أئمة هذا الشأن، ومن ذلك ما أورده ابن منده في كتابه، فقال في بعض التراجم: «كناه مسلم بن الحجاج».
انظر: فتح الباب في الكنى والألقاب لابن منده: ص (38، 63، 64)
وذكره ابن عساكر في كتابه تاريخ دمشق فقال: «وقال مسلم في الكنى».
انظر: تاريخ دمشق لابن عساكر (74/140)
كما اعتمد عليه أبو أحمد الحاكم، ونقل منه في كتابه «الأسامي والكنى»، مما يدل على شهرة الكتاب وتداوله عند أئمة معرفة الرجال.
انظر: الأسامي والكنى لأبي أحمد الحاكم: (1/115،123،232،386)
منهج الإمام مسلم
رتب الإمام مسلم كتابه على الكنى، واعتنى بذكر اسم صاحب الكنية ونسبه وما يحتاج إليه في تمييزه، وقد يذكر شيوخه وتلاميذه.
ومن أمثلة ذلك قوله:
«أبو إسحاق سعد بن أبي وقاص مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب القرشي البدري، شهد بدرًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم».
وقال:
«أبو إسحاق كعب بن ماتع الحميري الحبر، ويقال الأحبار، روى عنه ابن عباس وابن عمر وأبو هريرة وابن الزبير».
انظر: الكنى والأسماء لمسلم (1/33)
فمقصوده ليس مجرد جمع الكنى، وإنما معرفة صاحب الكنية وتعيينه وتمييزه عن غيره.
علاقته بكتاب البخاري
من أهم ما قيل في كتاب مسلم ما ذكره أبو أحمد الحاكم في بيان صلته بكتاب الإمام البخاري، فقال:
«ومن تأمل كتاب مسلم بن الحجاج الأسامي والكنى علم أنه منقول من كتاب محمد بن إسماعيل حذو القذة بالقذة، حتى لا يزيد عليه فيه إلا ما يسهل على العاد عده، وتجلد في نقله حق الجلادة إذ لم ينسبه إلى قائليه ورواته».
وقال أيضًا:
«وكتاب محمد بن إسماعيل رحمة الله عليه في التاريخ كتاب لم يسبق إليه، ومن ألف بعده شيئًا في التاريخ أو الأسامي لم يستغن عنه».
انظر: الأسامي والكنى لأبي أحمد الحاكم (2/8)
وقد نقل ابن حجر هذا الكلام في ترجمة عبد الله بن فيروز الديلمي، ثم أورد قول أبي أحمد الحاكم في أن مسلمًا تابع البخاري في بعض ما نقله عنه.
انظر: تهذيب التهذيب لابن حجر (2/404)
المقارنة بين كتاب مسلم والبخاري
والظاهر من المقارنة بين الكتابين أن كتاب البخاري يغلب عليه ذكر من عرفت كنيته ولم يعرف اسمه، بينما يغلب على كتاب مسلم ذكر من عرفت كنيته واسمه.
وقد ذكر الذهبي ذلك عند كلامه على كتاب مسلم، فقال:
«ومعظمه فيمن عرفت كنيته واسمه».
ثم ذكر أن «معظم كتاب البخاري فيمن عرفت كنيته ولم يعرف اسمه بينما الكنى والأسماء للإمام مسلم معظمه فيمن عرفت كنيته واسمه».
انظر: المقتنى في سرد الكنى للذهبي (1/23)
وهذا يدل على أن الإمام مسلم استفاد من مادة البخاري استفادةً ظاهرةً، مع اختلاف جهة التصنيف وطريقة ترتيب التراجم.
قيمة الكتاب
تظهر قيمة «الكنى والأسماء» في كونه من الأصول المبكرة في علم الرجال، إذ يعين على معرفة أسماء أصحاب الكنى، وتمييز المتشابهين، وضبط أنساب الرواة وطبقاتهم.
كما يفيد في كشف التصحيف والوهم في أسماء الرجال، وذلك بمقابلة الاسم بالكنية والنسب والشيوخ والتلاميذ.
ومن هنا كان الكتاب مصدرًا مهمًا لمن جاء بعد الإمام مسلم من أئمة الرجال.
مثال على النقد في الكتاب
ومن أمثلة ذلك ما وقع في ترجمة عبد الله بن فيروز الديلمي، فقد نقل ابن حجر عن أبي أحمد الحاكم:
«قال مسلم: أبو بشر، يعني بالمعجمة، قال: وقد بينا أن ذلك خطأً، أخطأ فيه مسلم وغيره، وخليق أن يكون محمد، يعني البخاري، قد اشتبه عليه مع جلالته، فلما نقله مسلم من كتابه تابعه عليه».
ثم قال:
«ومن تأمل كتاب مسلم في الكنى علم أنه منقول من كتاب محمد حذو القذة بالقذة».
انظر: تهذيب التهذيب لابن حجر (2/404)
وهذا يدل على أن كتب الكنى والأسماء لم تكن مجرد كتب لحصر الأسماء، بل كان أئمة هذا الفن ينظرون فيها بالنقد والموازنة والترجيح.
الخلاصة
كتاب «الكنى والأسماء» للإمام مسلم بن الحجاج من الكتب المبكرة المهمة في علم الرجال، ومقصوده معرفة أصحاب الكنى وتمييزهم بأسمائهم وأنسابهم وما يتعلق بهم من القرائن.
وقد استفاد الإمام مسلم من مادة الإمام البخاري في «التاريخ»، وهو ما صرح به أبو أحمد الحاكم بقوله: «حذو القذة بالقذة»، إلا أن المقارنة بين الكتابين تظهر اختلافًا في المادة والترتيب؛ فغالب كتاب مسلم فيمن عرفت أسماؤهم مع كناهم.
وعليه، فالكتاب من المصادر المهمة للمحقق في تحرير أسماء الرواة وكناهم، وتمييز المتشابه منهم، ومقارنة أقوال أئمة الرجال، ولا سيما عند وقوع الاختلاف في اسم الراوي أو كنيته.
والله أعلم.