ليس كل غيابٍ موتًا،
لكن بعض الغياب أقسى من الموت؛ لأن الموت، مهما كان موجعًا، يمنح أهله حقيقةً يبكونها، وقبرًا يذهبون إليه، ودعاءً يعرفون لمن يرفعونه.
أما هو… فقد ترك أهله معلّقين بين السماء والأرض.
لا يعرفون إن كان حيًا ينتظر من يصل إليه،
ولا يعرفون إن كان جريحًا يصارع ألمه وحده،
ولا إن كان أسيرًا خلف مكانٍ لا تصل إليه أيديهم،
ولا إن كان قد سبقهم إلى الله شهيدًا.
وهذا هو الوجع الذي لا يملك الإنسان أمامه حتى رفاهية البكاء.
بحثوا عنه في كل مكان يمكن أن يقود إليه خيطٌ صغير من الأمل. سألوا، فتشوا، انتظروا، عادوا بخطوات أثقل من ذهابهم… لكن لا شيء.
لا جثمان ليقولوا: هذا هو.
ولا خبر ليقولوا: لقد نجا.
فبقي اسمه وحده يطرق أبواب القلوب.
لكن وسط هذا الغياب، هناك وجعٌ آخر لا يقل قسوة؛ وجع الخذلان.
فبحسب ما قاله من كانوا معه، فقد تركوه خلفهم وهم يقولون إنه ما زال حيًا، وإنهم لم يستطيعوا أخذه.
وأنا لا أعرف ماذا حدث في تلك اللحظات، ولا أملك أن أحاكم إنسانًا كان يقف أمام الموت والخوف.
لكنني أعرف أن الرفقة تُختبر حين تسقط كل الأقنعة، وحين لا يبقى للإنسان إلا موقفه.
فالرفيق الحقيقي لا يُقاس بمن يرافقك في الطريق حين يكون آمنًا، بل بمن يحاول أن يأخذك معه حين يصبح الطريق موتًا.
ربما كان الخوف أقوى منهم في تلك اللحظة، وربما لم يستطيعوا فعل أكثر مما فعلوا… لكن ماذا عن عبدالله؟
ماذا لو كانت الأدوار معكوسة؟
ماذا لو كان هو الذي استطاع أن يعود، وأنتم الذين بقيتم خلفه؟
هل كان سيترككم للمجهول؟
هذا السؤال ليس اتهامًا لأحد، لكنه سؤالٌ يوجع كل من يعرف معنى الوفاء.
لأن أكثر ما يؤلم في قصته ليس أننا لا نعرف أين هو فقط، بل أننا لا نعرف كيف كانت لحظاته الأخيرة، ومن كان إلى جواره، وهل كان ينتظر يدًا تمتد إليه بينما كانت أقدام الآخرين تبتعد.
وأنا لا أعرف كيف كان ذلك المشهد الأخير، ولا ماذا جرى في تلك اللحظات التي غاب بعدها، لكنني أعرف أن البطولة ليست دائمًا في أن تعود.
أحيانًا تكون البطولة في أن تبقى ثابتًا حين يركض الخوف في كل الاتجاهات.
وفي أن تكون أنت الرجل الذي يُعوّل عليه الآخرون حين تضيق بهم الدنيا.
ولهذا، مهما كانت نهايته التي لا نعرفها حتى الآن، سيبقى في أعيننا بطلًا لم يحتج إلى رواية طويلة كي يثبت أنه كان رجلًا يُعوّل عليه.
والمؤلم أن الذين يحبونه لا يستطيعون حتى أن يمنحوه حق الغياب.
فكيف نقول: رحل، ونحن لا نعرف؟
وكيف نقول: سيعود، ونحن لا نملك وعدًا؟
إنه ذلك النوع من الغياب الذي يجعل الهاتف في يد أبيه أثقل من الجبال، وكل صوتٍ على الباب يوقظ في البيت رجاءً جديدًا، وكل خبرٍ يصل من هناك يفتح جرحًا لم يلتئم.
يا من لا نعرف أين أنت…
هناك من ينتظرك وكأن عودتك هي آخر ما بقي له من الحياة.
وإن كنت حيًا، فاعلم أن هناك قلوبًا لم تتوقف عن البحث عنك.
وإن كنت جريحًا، فليكن الله أقرب إليك من كل يدٍ عجزت عن الوصول إليك.
وإن كنت أسيرًا، فنسأل الله أن يفتح لك بابًا لا نعرفه.
وإن كنت قد رحلت شهيدًا، فحسبك أن الله يعلم أين أنت، وكيف كانت آخر لحظاتك، وما حملته في قلبك حين غاب عنك كل شيء.
أما نحن، فسنبقى نردد اسمك لا لأننا نملك خبرًا عنك، بل لأننا لا نملك شيئًا سواه.
بعض الأبطال لا تخلّدهم صور النصر،
بل تخلّدهم قلوبٌ ظلّت تبحث عنهم حتى آخر احتمال.
عبدالله ميثاق الصالحي…
بطلٌ غاب عن أعيننا، ولم يغب عن قلوبنا.
اللهم إنّا نستودعك عبدالله، وأنت خير من تُستودع عنده الأرواح والأحبة.
أ. سارة عبدالحكيم