آخر تحديث :الإثنين-14 سبتمبر 2026-09:58م

الموسوعة القضائية والفقهية والقانونية والعلمية المقارنة

الإثنين - 14 سبتمبر 2026 - الساعة 05:56 م
المحامي مختار راجح



الأمر على عريضة في القانون اليمني


طبيعته القانونية، حكمته، نطاقه، شروطه، إجراءاته، آثاره، وتنفيذه وطرق التظلم والطعن فيه


دراسة تأصيلية تحليلية مقارنة بالفقه الإسلامي والقانون والقضاء المصري


تأليف وبحث: المستشار والباحث مختار راجح


---


مقدمة


يمثل الأمر على عريضة إحدى الوسائل الإجرائية الاستثنائية التي أتاحها المشرع لتحقيق حماية قضائية سريعة في الحالات التي لا تحتمل انتظار إجراءات الخصومة القضائية المعتادة، أو التي يكون عنصر المفاجأة فيها لازماً للمحافظة على حق، أو صيانة دليل، أو اتخاذ إجراء وقتي أو تحفظي.


وقد نظم المشرع اليمني الأوامر على العرائض في المواد من (246) إلى (252) من قانون المرافعات والتنفيذ المدني رقم (40) لسنة 2002م، فجعلها قرارات وقتية أو تحفظية تصدر في غير خصومة وفي غياب من صدر الأمر ضده، بمقتضى السلطة الولائية لرئيس المحكمة أو القاضي المختص، على ألا تمس موضوع الحق، وإن جاز أن تتعلق به أو بتنفيذه.[1]


وتقوم فلسفة هذا النظام على تحقيق توازن دقيق بين مصلحتين:


الأولى: مصلحة طالب الحماية القضائية العاجلة.


والثانية: حق الخصم في ألا يمس مركزه القانوني النهائي دون أن تتاح له فرصة الدفاع.


ومن هنا لم يجعل المشرع الأمر على عريضة حكماً فاصلاً في أصل الحق، وإنما جعله وسيلة وقتية أو تحفظية، مع إبقاء باب التظلم مفتوحاً لمن صدر الأمر ضده، وكذلك لمن رفض طلبه.[2]


وتزداد أهمية هذا الموضوع بسبب ما يثور عملياً من خلط بين الأمر على عريضة والحكم المستعجل وأمر الأداء والحكم الموضوعي، مع أن لكل واحد منها طبيعته وشروطه وإجراءاته وآثاره وطريق الاعتراض عليه.


ومن ثم فإن دراسة الأمر على عريضة لا ينبغي أن تقف عند حدود النصوص الإجرائية، بل يجب أن تمتد إلى تحديد طبيعته الولائية، وحدود سلطة القاضي فيه، ومدى قوته التنفيذية، وحجيته، وأثر التظلم منه، ومدى علاقته بالدعوى الأصلية، ثم مقارنته بأصول الفقه الإسلامي وبالنظام المصري وفقهه وقضائه.


---


المبحث الأول


ماهية الأمر على عريضة وطبيعته القانونية


المطلب الأول


تعريف الأمر على عريضة في القانون اليمني


عرف المشرع اليمني الأمر على عريضة في المادة (246) بأنه:


«قرارات وقتية أو تحفظية تصدر في غير خصومة وفي غياب من صدر الأمر ضده بمقتضى السلطة الولائية لرئيس المحكمة أو القاضي المختص لا تمس موضوع الحق وقد تتعلق به أو بتنفيذه وتتضمن إذناً أو تكليفاً أو إجازةً للإجراء أو تنظيمه».[3]


ويكشف هذا التعريف عن مجموعة من العناصر الجوهرية التي تحدد طبيعة الأمر على عريضة.


أولاً: الأمر على عريضة قرار قضائي


فهو يصدر عن رئيس المحكمة أو القاضي المختص، ومن ثم فهو عمل صادر عن جهة قضائية، وليس مجرد إجراء إداري.


ثانياً: صدوره بمقتضى السلطة الولائية


وهذه من أهم خصائصه؛ إذ لا يصدر ابتداءً في خصومة قضائية مكتملة العناصر، وإنما يمارس القاضي فيه سلطة ولائية منحها له القانون.


ثالثاً: صدوره في غير خصومة


فالأمر لا يفترض عند إصداره قيام خصومة مكتملة بين طالب الأمر ومن يراد اتخاذ الإجراء في مواجهته.


رابعاً: صدوره في غياب من صدر الأمر ضده


المقصود بالغياب هنا أن الشخص الذي يمس الأمر مركزه القانوني لم يُدعَ إلى جلسة مواجهة قبل صدور الأمر.


خامساً: أن يكون الأمر وقتياً أو تحفظياً


فهو لا يستهدف تقرير الحق بصورة نهائية، وإنما اتخاذ إجراء مؤقت أو تحفظي تقتضيه طبيعة الحالة.


سادساً: عدم مساسه بموضوع الحق


وهذه قاعدة أساسية تمنع استعمال الأمر على عريضة كطريق مستتر للفصل في النزاع الموضوعي.


سابعاً: إمكان تعلقه بالحق أو بتنفيذه


فقد يكون الإجراء متعلقاً بحماية حق معين أو بالمحافظة على مركز قانوني أو بتهيئة وسيلة لتنفيذ حق، دون أن يكون الأمر ذاته فاصلاً في أصل الحق.[4]


---


المطلب الثاني


الطبيعة الولائية للأمر على عريضة


الطبيعة القانونية للأمر على عريضة تقوم على كونه عملاً قضائياً ولائياً وليس حكماً قضائياً صادراً في خصومة.


فالحكم القضائي يفترض ـ في الأصل ـ وجود خصومة، وطلبات متقابلة، ومواجهة بين أطرافها، وتمكين كل خصم من إبداء دفاعه، ثم انتهاء المحكمة إلى قضاء يفصل في المسألة المطروحة عليها.[5]


أما الأمر على عريضة فيصدر ابتداءً دون هذه المواجهة، ولذلك لا يصح مساواته بالحكم الموضوعي.


ويجمع الأمر على عريضة بين صفتين:


الأولى: الصفة القضائية من حيث مصدره والجهة التي تصدره.


الثانية: الصفة الولائية من حيث عدم قيام الخصومة والمواجهة عند إصداره.


وهذا التكييف تترتب عليه آثار مهمة في تحديد طرق الاعتراض عليه، إذ لا يصح تطبيق قواعد الطعن في الأحكام عليه بصورة مباشرة، وإنما يسلك الطريق الذي حدده القانون، وهو التظلم.[6]


رأي المؤلف


أرى أن وصف الأمر على عريضة بأنه قرار قضائي ولائي مؤقت أو تحفظي هو الوصف الأكثر انضباطاً؛ لأنه يفسر جميع خصائصه دون خلط بين القضاء الولائي والقضاء الخصومي.


فالقاضي لا يحسم نزاعاً نهائياً، وإنما يمارس وظيفة قانونية عاجلة لحماية مركز أو حق أو إجراء، مع إبقاء باب المواجهة مفتوحاً أمام من تأثر بالأمر.


---


المبحث الثاني


الحكمة التشريعية من نظام الأمر على عريضة


لم ينشأ نظام الأوامر على العرائض عبثاً، وإنما فرضته اعتبارات عملية وقضائية.


أولاً: السرعة


قد يؤدي انتظار إجراءات الدعوى العادية إلى ضياع الحق أو تعذر حمايته.


ومن ثم احتاج النظام القضائي إلى وسيلة تمكن القاضي من اتخاذ إجراء عاجل متى كانت طبيعة الحالة لا تحتمل الانتظار.


ثانياً: عنصر المفاجأة


قد يكون إعلام الخصم بالإجراء قبل اتخاذه سبباً في إفراغه من مضمونه.


ويظهر ذلك في الإجراءات التي يكون الغرض منها المحافظة على مال أو دليل أو مركز قانوني يخشى عليه من التغيير أو الإخفاء أو التصرف.


ثالثاً: الحماية القضائية الفورية


لا تقتصر وظيفة القضاء على الفصل النهائي في المنازعات، بل قد تتطلب العدالة في بعض الحالات تدخلاً مؤقتاً لمنع ضرر أو المحافظة على حق إلى حين طرح النزاع في صورته الكاملة.


رابعاً: الاقتصاد في الإجراءات


ليس من الملائم إخضاع كل إجراء وقتي أو تحفظي بسيط لإجراءات خصومة كاملة متى أجاز القانون اتخاذه بطريق ولائي.


خامساً: تحقيق التوازن بين السرعة وحق الدفاع


غياب الخصم عند إصدار الأمر لا يعني إسقاط حقه في الدفاع.


وإنما يعني أن المواجهة تؤجل إلى مرحلة لاحقة هي مرحلة التظلم.


وهذه هي الحكمة الأساسية في النظام: تقديم الحماية عند الضرورة، دون تحويل الإجراء الوقتي إلى حكم نهائي يحرم الخصم من حقه في الدفاع.


---


المبحث الثالث


حالات إصدار الأمر على عريضة


نصت المادة (247) من قانون المرافعات والتنفيذ المدني اليمني على أن الأمر يصدر:


«في الأحوال التي ينص عليها القانون وفي كل حالة يثبت لدى المحكمة لزوم صدوره شرعاً وقانوناً بناءً على طلب ذي المصلحة».[7]


ويكشف النص عن أساسين:


الأساس الأول: وجود نص قانوني


أي أن القانون قد يقرر صراحة جواز استصدار أمر على عريضة في حالة معينة.


الأساس الثاني: ثبوت اللزوم شرعاً وقانوناً


وهذا الجزء من النص يحتاج إلى تفسير منضبط حتى لا تتحول السلطة الولائية إلى سلطة عامة غير محددة.


فليس معنى النص أن كل طلب يراه مقدمه عاجلاً يصبح صالحاً للأمر على عريضة، وإنما يجب أن تكون هناك ضرورة قانونية أو شرعية حقيقية، وأن يظل الإجراء داخل حدود الطبيعة الوقتية أو التحفظية للأمر.


رأي المؤلف


ينبغي تفسير المادة (247) بما يحقق الغاية من النظام دون توسع يؤدي إلى إلغاء الأصل العام في التقاضي.


فالأصل أن الحقوق المتنازع عليها تعرض على القضاء في خصومة، والاستثناء هو تمكين القاضي من التدخل الولائي عندما تكون طبيعة الإجراء ومقتضيات الحماية القانونية تبرر ذلك.


---


المبحث الرابع


شروط قبول طلب الأمر على عريضة


يمكن استخلاص شروط الأمر على عريضة من النصوص المنظمة له ومن طبيعته القانونية.


الشرط الأول: وجود المصلحة


يجب أن تكون لطالب الأمر مصلحة قانونية حقيقية ومشروعة.


فلا يكفي مجرد الفضول أو الرغبة النظرية في الحصول على قرار قضائي.


الشرط الثاني: توافر الصفة


يجب أن يقدم الطلب ممن له صفة قانونية في طلب الإجراء، أو بواسطة ممثله القانوني.


الشرط الثالث: وجود سند قانوني أو شرعي


ينبغي أن يستند الطلب إلى أساس يبرر تدخل القاضي الولائي.


الشرط الرابع: عدم المساس بأصل الحق


وهذا من أهم شروط الأمر.


فإذا كان المطلوب يؤدي في حقيقته إلى حسم الملكية أو المسؤولية أو أصل الالتزام أو أي نزاع موضوعي نهائي، فلا يكون طريق الأمر على عريضة هو الطريق المناسب.


الشرط الخامس: ملاءمة الإجراء لطبيعة الحماية المطلوبة


يجب أن يكون الإجراء المطلوب وقتياً أو تحفظياً أو داخلاً في نطاق الأعمال التي أجاز القانون اتخاذها بطريق الأمر على عريضة.


الشرط السادس: تقديم المستندات اللازمة


أوجب القانون أن يشتمل الطلب على البيانات والمستندات المؤيدة له بحسب طبيعة الإجراء.[8]


---


المبحث الخامس


إجراءات تقديم الأمر على عريضة


أولاً: تقديم الطلب


تنظم المادة (248) بيانات الطلب وإجراءاته، ومن ذلك تقديمه من نسختين وصور بعدد الخصوم، وأن يشتمل على وقائع الطلب وأسانيده وموطن طالب الأمر الأصلي أو المختار والمستندات اللازمة.[9]


ثانياً: فحص الطلب


يقوم القاضي المختص بفحص الطلب ومستنداته دون استدعاء الخصم.


وهذه المرحلة ليست محاكمة للخصم، وإنما تقدير أولي لمدى توافر الشروط التي تبرر إصدار الأمر.


ثالثاً: إصدار الأمر


أوجبت المادة (249) أن يصدر رئيس المحكمة أمره كتابة على أصل الطلب في اليوم التالي لتقديمه على الأكثر.[10]


ويؤكد هذا الميعاد الطبيعة العاجلة للنظام.


رابعاً: تسبيب الأمر في الحالة التي أوجبها القانون


الأصل أن الأمر لا يحتاج إلى تسبيب موسع، غير أن المشرع أوجب بيان الأسباب في الحالة التي يصدر فيها أمر مخالف لأمر سبق صدوره، وإلا كان الأمر الجديد باطلاً.[11]


وهذه القاعدة تكشف عن أن الأصل في نظام الأمر على عريضة هو السرعة والاختصار، مع تشديد الضمانة عندما يتعارض أمر لاحق مع أمر سابق.


---


المبحث السادس


هل يلتزم القاضي بإجابة طالب الأمر؟


مجرد تقديم العريضة لا ينشئ حقاً تلقائياً في صدور الأمر.


فالقاضي يفحص:


- صفة الطالب.

- مصلحته.

- السند القانوني.

- المستندات.

- طبيعة الإجراء.

- مدى مشروعيته.

- مدى توافقه مع طبيعة الأمر على عريضة.


وبناءً على ذلك يجوز للقاضي:


1. الاستجابة للطلب.

2. الاستجابة لبعض الطلبات ورفض بعضها.

3. رفض الطلب.

4. اتخاذ ما يلزم لاستكمال عناصر التقدير بحسب الأحوال.


ومن ثم فإن العريضة تنشئ طلباً، ولا تنشئ بذاتها حقاً في صدور الأمر.


---


المبحث السابع


أثر الأمر على عريضة في أصل الحق


الأمر على عريضة لا يحسم أصل الحق.


فإذا طلب شخص اتخاذ إجراء تحفظي استناداً إلى حق يدعيه، فإن صدور الأمر لا يعني أن القاضي فصل نهائياً في ثبوت ذلك الحق.


وهذه نتيجة منطقية لطبيعته الولائية والوقتية.


وبالتالي لا يمنع الأمر من:


- إقامة الدعوى الموضوعية.

- مناقشة أصل الحق.

- تقديم الأدلة والدفوع.

- طلب إلغاء الأثر المؤقت.

- إعادة طرح المسألة أمام القضاء المختص.


القاعدة


الأمر على عريضة يحمي الحق أو المركز القانوني مؤقتاً، ولا يحسم وجود الحق أو انعدامه بصورة نهائية.


---


المبحث الثامن


حجية الأمر على عريضة


لا يتمتع الأمر على عريضة بالحجية الموضوعية التي يتمتع بها الحكم القضائي الفاصل في أصل النزاع.


ويرجع ذلك إلى عدة أسباب:


1. صدوره دون مواجهة سابقة مع الخصم.

2. عدم حسمه لأصل الحق.

3. طبيعته الوقتية أو التحفظية.

4. خضوعه للتظلم.

5. ارتباط أثره بالغرض الذي صدر من أجله.


ومع ذلك فإن القول بانعدام كل أثر للأمر غير دقيق.


فالأمر يرتب أثراً إجرائياً وتنفيذياً في الحدود التي رسمها القانون، وقد تنشأ عنه أوضاع عملية وقانونية مؤقتة إلى أن يتم التظلم منه أو يفصل القضاء في أصل الحق.


وعليه فإن حجية الأمر ـ بالمعنى العملي ـ تظل محدودة بنطاق الإجراء والغاية التي صدر لتحقيقها، ولا تتحول إلى حجية موضوعية نهائية.


---


المبحث التاسع


تنفيذ الأمر على عريضة


نظم المشرع اليمني مدة تقديم الأمر للتنفيذ.


فنصت المادة (252) على سقوط الأمر إذا لم يقدم للتنفيذ خلال عشرين يوماً من تاريخ صدوره، ما لم يوجد نص خاص، ولا يمنع سقوطه من استصدار أمر جديد.[12]


وتكشف هذه القاعدة عن الارتباط بين الأمر والحاجة الزمنية التي صدر من أجلها.


فإذا ترك صاحب الأمر القرار دون تنفيذ حتى انقضاء المدة القانونية، فإن الأمر يسقط كإجراء قابل للتنفيذ.


لكن:


سقوط الأمر لا يعني سقوط أصل الحق.


فقد يسقط الأمر، ويبقى الحق قائماً لصاحبه، ويجوز ـ متى توافرت شروط القانون ـ طلب أمر جديد أو سلوك طريق الدعوى الموضوعية.


كما أن استصدار أمر جديد ليس نتيجة آلية لسقوط الأمر السابق، وإنما يتطلب توافر شروط الإصدار من جديد.


---


المبحث العاشر


التظلم من الأمر على عريضة


التظلم هو الضمانة الأساسية لمن تأثر بالأمر.


وقد نصت المادة (251) على حق من صدر الأمر ضده، وكذلك من رفض طلبه، في التظلم إلى مصدر الأمر أو إلى المحكمة المختصة، استقلالاً أو تبعاً للدعوى الأصلية.[13]


وهذا النظام يحقق معادلة دقيقة:


غياب الخصم عند الإصدار يقابله تمكينه من المراجعة بعد صدور الأمر.


---


المطلب الأول


من يملك التظلم؟


يملك التظلم:


أولاً: من صدر الأمر ضده


وهو الشخص الذي ترتب على الأمر مساس بمركزه القانوني.


ثانياً: من رفض طلبه


فالمشرع لم يقصر التظلم على الشخص المتضرر من صدور الأمر، وإنما أتاح كذلك لطالب الأمر مراجعة قرار الرفض.


---


المطلب الثاني


جهة تقديم التظلم


يجوز تقديم التظلم:


1. إلى مصدر الأمر.

2. إلى المحكمة المختصة استقلالاً.

3. تبعاً للدعوى الأصلية.


وهذا التعدد يحقق مرونة إجرائية تتفق مع طبيعة النظام.


---


المطلب الثالث


سلطة المحكمة عند نظر التظلم


يجوز للمحكمة عند نظر التظلم أن:


- تؤيد الأمر.

- تعدله.

- تلغيه.


وهذا يعني أن التظلم ليس مجرد إجراء شكلي، وإنما وسيلة حقيقية لإعادة فحص الأساس الذي قام عليه الأمر.


---


المبحث الحادي عشر


التظلم والحكم الصادر فيه


يجب التمييز بين الأمر على عريضة وبين الحكم الذي يصدر في التظلم منه.


فالأمر:


عمل قضائي ولائي.


أما الحكم الصادر في التظلم:


فهو حكم قضائي يصدر بعد طرح المسألة على القضاء وفق الإجراءات المقررة.


وقد رتب المشرع على الحكم الصادر في التظلم حكماً يتعلق بقابليته للاستئناف وفقاً للنص القانوني.[14]


ومن هنا لا يجوز الخلط بين طبيعة الأمر وطبيعة الحكم الصادر في التظلم.


---


المبحث الثاني عشر


هل التظلم طعن أم دعوى؟


هذه المسألة من المسائل الدقيقة في الفقه الإجرائي.


فمن جهة، التظلم وسيلة للاعتراض على قرار سابق.


ومن جهة أخرى، فإنه يؤدي إلى طرح المسألة أمام القضاء في صورة مواجهة وتمحيص.


رأي المؤلف


الأدق وصف التظلم بأنه:


طريق اعتراض ذو طبيعة خاصة، يرد على قرار قضائي ولائي، ويؤدي عند الفصل فيه إلى صدور حكم قضائي.


فهو ليس استئنافاً بالمعنى التقليدي، لأن الأمر محل التظلم ليس حكماً صادراً في خصومة.


وفي الوقت نفسه لا يعد دعوى موضوعية مستقلة في أصل الحق.


وهذا الوصف يفسر موقعه بين القضاء الولائي والقضاء الخصومي.


---


المبحث الثالث عشر


الفرق بين الأمر على عريضة والحكم المستعجل


يجب التمييز بدقة بين النظامين.


وجه المقارنة| الأمر على عريضة| الحكم المستعجل

الطبيعة| قضائي ولائي| قضائي خصومي

الخصومة عند الإصدار| لا توجد| توجد

مواجهة الخصم| لا تشترط ابتداءً| الأصل تحققها

الغاية| إجراء وقتي أو تحفظي| حماية وقتية في خصومة

أصل الحق| لا يحسمه| لا يحسمه

طريق الاعتراض| التظلم| طرق الطعن التي يقررها القانون

عنصر المفاجأة| قد يكون جوهرياً| ليس هو الأصل

الحجية| محدودة بطبيعته| حجية مؤقتة في نطاق القضاء المستعجل

التنفيذ| بحسب النص وطبيعة الأمر| وفق الأحكام المنظمة للقضاء المستعجل


وقد نظم المشرع اليمني القضاء المستعجل في المواد السابقة على باب الأوامر على العرائض، وأقام له أحكاماً خاصة تتعلق بالتنفيذ والطعن والحجية.[15]


ومن ثم فإن مجرد وجود عنصر الاستعجال لا يجعل كل طلب مستعجلاً بطريق الأمر على عريضة.


---


المبحث الرابع عشر


الفرق بين الأمر على عريضة وأمر الأداء


أمر الأداء نظام خاص، بينما الأمر على عريضة نظام ولائي عام في مجاله.


فأمر الأداء يتعلق بحالات حددها القانون، ومن بينها الدين الثابت بالكتابة، الحال الأداء، والمعين المقدار، وفق الشروط المقررة قانوناً.[16]


أما الأمر على عريضة فقد يتعلق بإذن أو تكليف أو إجازة لإجراء وقتي أو تحفظي أو تنظيم إجراء معين.


وعليه:


كل أمر أداء يصدر بناءً على طلب وعريضة وفق نظامه الخاص، ولكن ليس كل أمر على عريضة أمراً بالأداء.


والخلط بين النظامين يؤدي إلى الخطأ في تحديد الشروط والمواعيد وطريق الاعتراض.


---


المبحث الخامس عشر


الأمر على عريضة في الفقه الإسلامي


لا يوجد في كتب الفقه الإسلامي القديمة نظام مطابق تماماً من حيث المصطلح والإجراءات للنظام الحديث المسمى بالأمر على عريضة.


غير أن الفقه الإسلامي اشتمل على أصول وأحكام متعددة تتقاطع مع فلسفة هذا النظام، ومن ذلك:


- دفع الضرر.

- منع الاعتداء.

- الحجر.

- التحفظ على الأموال.

- المحافظة على الحقوق.

- صيانة الأدلة.

- التدخل القضائي عند الضرورة.

- اتخاذ التدابير التي تمنع تفاقم الضرر.


ومن أهم القواعد الفقهية ذات الصلة:


أولاً: الضرر يزال


وهي قاعدة تؤسس لمشروعية التدخل لمنع الضرر أو رفعه في الحدود المشروعة.[17]


ثانياً: الضرر لا يزال بالضرر


فلا يجوز أن تؤدي الحماية الممنوحة لطالب الأمر إلى إحداث ضرر غير مشروع بالخصم.


ثالثاً: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح


وهي قاعدة تظهر أهميتها عندما يكون التأخير مؤدياً إلى مفسدة أكبر من المفسدة المترتبة على اتخاذ الإجراء الوقتي.


رابعاً: تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة


وتدل على أن ممارسة السلطة العامة ينبغي أن ترتبط بالمصلحة المشروعة.


خامساً: البينة على المدعي


ولا تسقط هذه القاعدة في المجال الوقتي، وإن كان نطاق الإثبات في الإجراءات الوقتية قد يختلف عن الإثبات المطلوب للفصل النهائي في أصل الحق.


رأي المؤلف


أرى أن الأساس الفقهي لفكرة الأمر على عريضة يمكن رده إلى وظيفة القضاء في حفظ الحقوق ودفع الضرر وتحقيق المصلحة المشروعة ومنع تفويت المقاصد القضائية بسبب التأخير.


لكن لا يجوز أن يتحول الاستدلال الأولي الذي يبرر التدخل الوقتي إلى يقين قضائي نهائي في أصل الحق دون استكمال ضمانات الخصومة.


---


المبحث السادس عشر


الأمر على عريضة في القانون والقضاء المصري


نظم المشرع المصري الأوامر على العرائض في قانون المرافعات، ومن أهم أحكامها المادة (194) وما بعدها.[18]


وقد ثار في الفقه والقضاء المصري نقاش حول مدى سلطة القاضي في إصدار الأمر على عريضة، ولا سيما حول ما إذا كانت السلطة الولائية سلطة عامة أم أنها مقيدة بالحالات التي يجيز فيها القانون هذا الطريق.


واتجه القضاء المصري إلى تضييق نطاق استعمال الأوامر على العرائض وربطها بالحالات التي يجيز فيها القانون استصدارها، بما يمنع تحويل السلطة الولائية إلى وسيلة عامة لحسم المنازعات.[19]


وتكتسب هذه المسألة أهمية في التطبيق اليمني، لأن التوسع في السلطة الولائية قد يؤدي إلى تجاوز الحدود التي رسمها المشرع لهذا النظام.


---


المبحث السابع عشر


المقارنة بين النظام اليمني والمصري


يتفق النظامان اليمني والمصري في مجموعة من الأصول، أهمها:


1. صدور الأمر دون مواجهة الخصم ابتداءً.

2. ارتباطه بالحماية الوقتية أو التحفظية.

3. عدم حسم أصل الحق.

4. وجود وسيلة للتظلم.

5. ارتباط النظام بالسرعة.

6. قيامه على السلطة الولائية.

7. التمييز بين الأمر الولائي والحكم الصادر في خصومة.


ويختلف النظامان في بعض تفاصيل الصياغة والتنظيم والمواعيد وحدود الحالات التي يجوز فيها إصدار الأمر.


ويتميز النص اليمني في المادة (247) بذكر الحالات التي ينص عليها القانون، مع إضافة حالة ثبوت لزوم صدوره شرعاً وقانوناً بناءً على طلب ذي مصلحة.[20]


وهذا يستوجب ضبط تفسير النص حتى لا تصبح العبارة أساساً للتوسع غير المحدود.


---


المبحث الثامن عشر


القضاء المصري ومبدأ عدم التوسع في الأوامر على العرائض


من الاتجاهات المهمة في القضاء المصري التشديد على عدم استعمال الأمر على عريضة خارج الحدود التي يقررها القانون.


والسبب في ذلك أن الأمر يصدر دون المواجهة القضائية المعتادة، ولذلك فإن التوسع فيه قد يؤدي إلى المساس بحقوق الخصوم دون استيفاء ضمانات الخصومة.


ومن ثم فإن السلطة الولائية ينبغي أن تمارس:


- في حدود النص.

- في حدود الغاية التشريعية.

- في حدود طبيعة الإجراء.

- دون حسم أصل الحق.


رأي المؤلف


أرى أن هذا الاتجاه يمثل ضمانة مهمة في التطبيق اليمني؛ لأن حماية الحقوق لا تتحقق بإطلاق السلطة الولائية، وإنما بوضعها في إطار قانوني محدد.


والقاعدة الجامعة هي:


الأصل في القضاء الخصومة والمواجهة، والاستثناء هو التدخل الولائي عند قيام مبرره القانوني.


---


المبحث التاسع عشر


حدود سلطة القاضي في الأمر على عريضة


لا يجوز للقاضي أن يستخدم الأمر على عريضة من أجل:


1. الفصل النهائي في الملكية.

2. تقرير المسؤولية المدنية بصورة نهائية.

3. حسم نزاع موضوعي معقد.

4. إنشاء حجية نهائية في أصل الحق.

5. حرمان الخصم من حق الدفاع بصورة دائمة.

6. استبدال الدعوى الموضوعية بإجراء ولائي.


فإذا كان المطلوب في حقيقته حكماً موضوعياً، وجب سلوك طريق الدعوى.


قاعدة الباحث


العبرة بحقيقة الطلب وآثاره القانونية، لا بالاسم الذي يطلقه عليه مقدمه.


فلا يجوز تحويل طلب موضوعي إلى طلب ولائي بمجرد وضع عنوان «أمر على عريضة» عليه.


---


المبحث العشرون


عيب الأمر على عريضة إذا تجاوز أصل الحق


إذا تجاوز القاضي حدود السلطة الولائية ومَسَّ أصل الحق، فلا يكفي القول بأن القرار صدر من جهة قضائية.


فالمعيار ليس مصدر القرار وحده، وإنما حدود الاختصاص الذي خوله القانون.


ومن ثم يجب التمييز بين:


الخطأ في تقدير شروط الأمر


وبين:


الخروج عن طبيعة الاختصاص الولائي ذاته.


ولكل حالة آثارها القانونية وطريق معالجتها بحسب طبيعة العيب والنصوص المنظمة للاعتراض والتظلم والطعن.


---


المبحث الحادي والعشرون


الأمر على عريضة والقوة التنفيذية


قد يكون الأمر على عريضة ذا قوة تنفيذية بحسب طبيعته ومضمونه والنص الذي يستند إليه.


لكن القوة التنفيذية للأمر لا تعني تحوله إلى حكم موضوعي.


وهنا يجب الفصل بين مفهومين:


القوة التنفيذية


وهي صلاحية الأمر لإحداث الأثر التنفيذي الذي قرره القانون.


الحجية الموضوعية


وهي الأثر الذي يترتب على الحكم القضائي في المسألة التي فصل فيها.


وقد تجتمع القوة التنفيذية المؤقتة مع عدم وجود حجية موضوعية نهائية.


وهذه من أهم المفارقات القانونية في نظام الأمر على عريضة.


---


المبحث الثاني والعشرون


سقوط الأمر على عريضة


يسقط الأمر على عريضة ـ كأصل عام في القانون اليمني ـ إذا لم يقدم للتنفيذ خلال عشرين يوماً من تاريخ صدوره، ما لم يوجد نص خاص.[21]


والسقوط هنا يتعلق بالأمر ذاته كإجراء.


ولا يعني:


- سقوط أصل الحق.

- انقضاء الدين.

- زوال المركز القانوني.

- منع صاحب الحق من سلوك الطريق القضائي المناسب.


ولهذا أجاز القانون استصدار أمر جديد.


لكن الأمر الجديد يحتاج إلى فحص شروطه من جديد، ولا يصدر لمجرد أن الأمر الأول قد سقط.


---


المبحث الثالث والعشرون


أثر التظلم على تنفيذ الأمر


ينبغي التمييز بين:


مجرد تقديم التظلم


و


صدور حكم في التظلم.


ولا يجوز افتراض أن كل تظلم يوقف التنفيذ تلقائياً دون فحص النص الذي يحكم الأمر وطبيعته.


وعند بحث أثر التظلم على التنفيذ ينبغي مراعاة:


1. طبيعة الأمر.

2. النص الذي صدر استناداً إليه.

3. الغرض من الإجراء.

4. مدى تقرير القانون لقوته التنفيذية.

5. ما إذا كان التظلم موقفاً للتنفيذ بنص خاص.

6. ما إذا صدر قرار قضائي بوقف التنفيذ.


ومن ثم لا يصح وضع قاعدة عامة مطلقة تجعل كل تظلم موقفاً للتنفيذ أو تجعله غير موقف في جميع الحالات.


---


المبحث الرابع والعشرون


العلاقة بين الأمر على عريضة والدعوى الأصلية


قد يصدر الأمر على عريضة:


أولاً: قبل الدعوى الأصلية


إذا كانت هناك حاجة عاجلة إلى حماية حق أو مركز قانوني أو اتخاذ إجراء تحفظي.


ثانياً: أثناء الدعوى الأصلية


إذا استجدت حاجة إلى إجراء وقتي أو تحفظي.


ثالثاً: مستقلاً عن الدعوى


متى أجاز القانون ذلك وكانت طبيعة الإجراء لا تستلزم قيام دعوى موضوعية سابقة.


وفي جميع الأحوال لا يؤدي صدور الأمر ـ من حيث الأصل ـ إلى منع إقامة الدعوى الموضوعية إذا كان أصل الحق محل نزاع.


---


المبحث الخامس والعشرون


التظلم إذا رفعت الدعوى الأصلية


أجاز المشرع أن يكون التظلم تبعاً للدعوى الأصلية.


وهذا التنظيم يحقق الاقتصاد في الإجراءات ويمنع تعدد المسارات القضائية دون حاجة.


لكن يجب التمييز بين:


التظلم من الأمر


و


الدعوى المتعلقة بأصل الحق.


فالتظلم ينصب على مدى سلامة الأمر الولائي، بينما تنصب الدعوى الموضوعية على أصل الحق ذاته.


وقد تتصل المسألتان، لكن لا يجوز دمجهما من حيث الطبيعة والأثر.


---


المبحث السادس والعشرون


رأي المؤلف في الطبيعة القانونية للأمر على عريضة


أرى أن الأمر على عريضة يمكن تعريفه تعريفاً جامعاً بأنه:


قرار قضائي ولائي مؤقت أو تحفظي، يصدر بناءً على طلب ذي مصلحة، دون مواجهة الخصم ابتداءً، في الحالات التي يجيزها القانون أو تقتضيها الحماية المشروعة في حدود القانون، بقصد اتخاذ إجراء عاجل لا يحسم أصل الحق، مع بقاء حق المتضرر في التظلم وطرح النزاع الموضوعي أمام القضاء المختص.


ويجمع هذا التعريف بين:


- المصدر القضائي.

- الطبيعة الولائية.

- غياب الخصم عند الإصدار.

- السرعة.

- الغاية الوقتية أو التحفظية.

- عدم حسم أصل الحق.

- القوة التنفيذية في حدود القانون.

- حق التظلم.

- إمكان طرح أصل الحق أمام القضاء المختص.


---


المبحث السابع والعشرون


المبادئ التي يستخلصها الباحث


المبدأ الأول


الأمر على عريضة ليس حكماً موضوعياً.


المبدأ الثاني


الأمر على عريضة عمل قضائي ولائي.


المبدأ الثالث


غياب الخصم عند صدوره لا يعني إسقاط حقه في الدفاع.


المبدأ الرابع


التظلم هو الوسيلة الأساسية لمواجهة الأمر.


المبدأ الخامس


لا يجوز للأمر على عريضة أن يحسم أصل الحق.


المبدأ السادس


العبرة بحقيقة الطلب وآثاره، لا بتسميته.


المبدأ السابع


السرعة عنصر جوهري في فلسفة النظام.


المبدأ الثامن


عنصر المفاجأة قد يبرر عدم دعوة الخصم قبل صدور الأمر.


المبدأ التاسع


سقوط الأمر لعدم تقديمه للتنفيذ لا يسقط أصل الحق.


المبدأ العاشر


الحكم الصادر في التظلم يختلف في طبيعته عن الأمر محل التظلم.


المبدأ الحادي عشر


لا يجوز التوسع في السلطة الولائية بما يحول الأمر على عريضة إلى قضاء موضوعي مستتر.


المبدأ الثاني عشر


القوة التنفيذية المؤقتة لا تساوي الحجية الموضوعية النهائية.


---


المبحث الثامن والعشرون


مقترح المؤلف لضبط التطبيق القضائي


أرى ضرورة أن يراعي القاضي عند نظر أي طلب أمر على عريضة ستة عناصر أساسية:


أولاً


التحقق من صفة طالب الأمر ومصلحته.


ثانياً


التحقق من السند القانوني أو الشرعي للطلب.


ثالثاً


التحقق من قيام الضرورة التي تبرر التدخل الولائي بحسب طبيعة الإجراء.


رابعاً


التأكد من أن الإجراء لا يحسم أصل الحق.


خامساً


تحقيق التناسب بين الإجراء المطلوب والخطر المراد دفعه.


سادساً


التأكد من عدم تجاوز الأمر الحدود التي رسمها القانون.


وبذلك يصبح الأمر على عريضة وسيلة لحماية العدالة، لا وسيلة للالتفاف على إجراءات الخصومة.


---


الخاتمة


يتضح من مجموع الدراسة أن الأمر على عريضة ليس طريقاً مختصراً للفصل في الحقوق، وإنما هو وسيلة استثنائية للحماية القضائية الوقتية والتحفظية.


وقد أقام المشرع اليمني هذا النظام على أساس السلطة الولائية، وقرر صدور الأمر في غير خصومة وفي غياب من صدر ضده، وعدم مساسه بموضوع الحق، ثم قرر حق التظلم منه، ونظم سقوطه عند عدم تقديمه للتنفيذ خلال المدة القانونية.[22]


وتظهر أهمية هذا التنظيم في أنه يحاول التوفيق بين مقتضيات السرعة القضائية وبين ضمانات الدفاع.


فلو اشترطت المواجهة في كل حالة قبل اتخاذ الإجراء، لضاعت في بعض الحالات الحكمة من التدخل القضائي العاجل.


ولو أطلق الأمر الولائي دون رقابة أو تظلم، لتحول الاستثناء إلى وسيلة للمساس بحقوق الخصوم بعيداً عن ضمانات الخصومة.


ولهذا كان التوازن بين الأمرين هو جوهر النظام.


كما تكشف المقارنة مع القانون والقضاء المصري عن أهمية ضبط السلطة الولائية وعدم التوسع فيها خارج الحدود التي يرسمها القانون.


والقاعدة الجامعة التي يخلص إليها الباحث هي:


الأمر على عريضة حماية عاجلة للحق، وليس حكماً نهائياً فيه؛ وهو عمل قضائي في مصدره، ولائي في طبيعته، مؤقت في أثره، تحفظي في غايته، قابل للمراجعة بالتظلم، ولا يجوز أن يتحول إلى خصومة موضوعية مستترة.


---


النتائج


1. الأمر على عريضة قرار قضائي ولائي.

2. يصدر ابتداءً دون خصومة ومواجهة سابقة مع من صدر ضده.

3. الغاية منه توفير حماية وقتية أو تحفظية أو اتخاذ إجراء أجازه القانون.

4. لا يجوز أن يفصل في أصل الحق.

5. لا يتمتع بحجية الحكم الموضوعي النهائية.

6. التظلم هو الطريق الأساسي لمراجعته.

7. يجوز التظلم من الأمر الصادر.

8. يجوز كذلك التظلم من رفض طلب الأمر.

9. يجوز أن يقدم التظلم مستقلاً أو تبعاً للدعوى الأصلية وفق القانون.

10. الحكم الصادر في التظلم يختلف في طبيعته عن الأمر محل التظلم.

11. القوة التنفيذية للأمر لا تعني حسم الحق موضوعياً.

12. يسقط الأمر ـ كأصل عام ـ إذا لم يقدم للتنفيذ خلال عشرين يوماً وفق القانون اليمني.

13. سقوط الأمر لا يؤدي إلى سقوط أصل الحق.

14. الأمر على عريضة يختلف عن الحكم المستعجل.

15. الأمر على عريضة يختلف عن أمر الأداء.

16. لا يجوز استعمال الأمر على عريضة للتحايل على إجراءات التقاضي الموضوعي.

17. العبرة بحقيقة الطلب وآثاره القانونية لا بعنوانه.

18. يجب أن تبقى السلطة الولائية في حدود القانون.

19. عنصر المفاجأة قد يكون مبرراً لعدم مواجهة الخصم قبل إصدار الأمر.

20. لا يجوز أن يتحول الإجراء الوقتي إلى حكم نهائي في أصل النزاع.

21. المقارنة المصرية تؤكد أهمية ضبط استعمال الأوامر على العرائض.

22. التوازن بين السرعة وحق الدفاع هو الأساس الذي تقوم عليه مشروعية النظام.


---


التوصيات


أولاً


وضع ضوابط قضائية واضحة للتمييز بين الأمر على عريضة والحكم المستعجل.


ثانياً


عدم إصدار الأمر إذا كان الطلب في حقيقته يستهدف حسم أصل الحق.


ثالثاً


بيان حدود الإجراء المأمور به بدقة، بحيث لا يتجاوز الغرض الذي صدر من أجله.


رابعاً


تحقيق التناسب بين الإجراء الوقتي والخطر المراد دفعه.


خامساً


تعزيز تسبيب الأوامر في الحالات التي تستوجب طبيعتها بيان أسباب التدخل القضائي، ولو لم يكن التسبيب الموسع واجباً في الأصل.


سادساً


توحيد التطبيق القضائي لمواعيد التظلم والتنفيذ والسقوط.


سابعاً


عدم اعتبار الأمر على عريضة بديلاً عن الدعوى الموضوعية.


ثامناً


التأكيد على أن حماية السرعة لا يجوز أن تتحول إلى انتقاص دائم من حق الدفاع.


تاسعاً


التشديد على أن السلطة الولائية ليست سلطة مطلقة، وإنما سلطة قانونية مقيدة بالغرض الذي منحها المشرع من أجله.


عاشراً


إعمال قاعدة أن العبرة بحقيقة الطلب ونتيجته القانونية، لا بالوصف الذي يضعه طالب الأمر.


---


الهوامش والمراجع المعتمدة


[1] قانون المرافعات والتنفيذ المدني اليمني رقم (40) لسنة 2002م، المواد (246–252)، باب الأوامر على العرائض.


[2] المرجع نفسه، المادة (251)، بشأن التظلم من الأمر الصادر ومن رفض الطلب.


[3] المرجع نفسه، المادة (246)، في تعريف الأمر على عريضة وبيان طبيعته الوقتية والتحفظية والولائية.


[4] المرجع نفسه، المادة (246)، في كون الأمر قد يتعلق بالحق أو بتنفيذه دون أن يمس موضوع الحق.


[5] أحمد أبو الوفا، المرافعات المدنية والتجارية، مباحث القضاء الخصومي والحكم القضائي والخصومة القضائية.


[6] فتحي والي، الوسيط في قانون القضاء المدني، مباحث القضاء الولائي والتمييز بين القضاء الولائي والقضاء الخصومي.


[7] قانون المرافعات والتنفيذ المدني اليمني رقم (40) لسنة 2002م، المادة (247)، في حالات إصدار الأمر على عريضة.


[8] المرجع نفسه، المواد (247–248)، في المصلحة والسند القانوني وبيانات الطلب والمستندات.


[9] المرجع نفسه، المادة (248)، في كيفية تقديم الطلب وبياناته والوثائق المرفقة به.


[10] المرجع نفسه، المادة (249)، في ميعاد إصدار الأمر.


[11] المرجع نفسه، المادة (249)، في وجوب بيان أسباب الأمر المخالف لأمر سابق ورتبة البطلان المترتبة على مخالفة ذلك.


[12] المرجع نفسه، المادة (252)، في سقوط الأمر إذا لم يقدم للتنفيذ خلال عشرين يوماً، مع جواز استصدار أمر جديد.


[13] المرجع نفسه، المادة (251)، في حق من صدر الأمر ضده ومن رفض طلبه في التظلم، وجهة تقديم التظلم.


[14] المرجع نفسه، المادة (251)، في الحكم الصادر في التظلم وقابليته للاستئناف وفق الحكم القانوني المقرر.


[15] المرجع نفسه، المواد (243–245)، في القضاء المستعجل وطبيعته وحجيته وطرق الطعن والتنفيذ وفق الأحكام المقررة له.


[16] المرجع نفسه، المواد (263–271)، في أوامر الأداء وشروطها وإجراءاتها وطرق الاعتراض عليها.


[17] جلال الدين السيوطي، الأشباه والنظائر، باب القواعد الفقهية الكبرى؛ وانظر كذلك: ابن نجيم، الأشباه والنظائر، في قاعدة «الضرر يزال» والقواعد المتفرعة عنها.


[18] قانون المرافعات المصري، المادة (194) وما بعدها، في الأوامر على العرائض والتظلم منها.


[19] مبادئ محكمة النقض المصرية في شأن الأوامر على العرائض، وبخاصة ما تعلق بحدود السلطة الولائية وعدم التوسع في استعمالها خارج الحالات التي يجيزها القانون.


[20] قانون المرافعات والتنفيذ المدني اليمني رقم (40) لسنة 2002م، المادة (247)، ومقارنتها بالمادة (194) وما بعدها من قانون المرافعات المصري.


[21] قانون المرافعات والتنفيذ المدني اليمني رقم (40) لسنة 2002م، المادة (252).


[22] المرجع نفسه، المواد (246–252)، باعتبارها مجموعة النصوص المنظمة للأوامر على العرائض في القانون اليمني.


[23] عبد الرزاق أحمد السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، المبادئ العامة المتعلقة بالحق والحماية القضائية وآثار الإجراءات القضائية، بحسب مواضع البحث.


[24] أحمد أبو الوفا، المرافعات المدنية والتجارية، مباحث الأوامر على العرائض والقضاء الولائي وطرق الاعتراض.


[25] فتحي والي، الوسيط في قانون القضاء المدني، مباحث القضاء الولائي والقضاء الخصومي وطبيعة القرارات القضائية.


[26] فقه المرافعات المصري، مباحث الأوامر على العرائض، والقضاء المستعجل، وأوامر الأداء، والتظلم من الأوامر الولائية.


[27] هاشم محمد محمد الشرفي، «التنفيذ المعجل للأوامر على عرائض في قانون المرافعات والتنفيذ المدني اليمني: دراسة مقارنة»، مجلة جامعة صنعاء للعلوم الإنسانية، 2024م، ص 104 وما بعدها، في الطبيعة الولائية للأمر على عريضة وعلاقته بالتنفيذ والحماية الوقتية.


[28] القواعد الفقهية: «الضرر يزال»، و«الضرر لا يزال بالضرر»، و«تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة»، باعتبارها من الأصول الفقهية المتصلة بدفع الضرر وحفظ الحقوق وتحقيق المصلحة.


---


رأي المؤلف الختامي


الأمر على عريضة ليس اختصاراً للعدالة، بل اختصارٌ للإجراء عندما تكون طبيعة الحق أو خطر التأخير محتاجاً إلى ذلك؛ ولذلك فإن مشروعيته تقاس بقدر ما يحقق من حماية عاجلة دون أن يصادر حق الخصم في الدفاع، أو يحول القضاء الولائي إلى قضاء موضوعي.


فالقضاء الولائي لا يستمد مشروعيته من سرعة صدوره وحدها، وإنما من اجتماع السرعة مع المشروعية، والحماية مع التناسب، والتدبير المؤقت مع بقاء أصل الحق خاضعاً للقضاء المختص، والغياب عند الإصدار مع ضمانة التظلم بعده.


وبذلك يبقى الأمر على عريضة أداة لحماية الحق، لا أداة لحسمه؛ ووسيلة لصيانة العدالة، لا طريقاً للالتفاف على الخصومة؛ واستثناءً تبرره الضرورة، لا أصلاً يحل محل القضاء الموضوعي.

[13/‏9, 11:55 م] bljfarmhtarrajhbljfaralrajhy: الموسوعة القضائية والفقهية والقانونية والعلمية المقارنة

الصفة والأهلية في الدعوى القضائية

دراسة تأصيلية تحليلية مقارنة في القانون اليمني والفقه الإسلامي والقضاء المصري وآراء الفقهاء

تأليف وبحث: المستشار والباحث مختار راجح

مقدمة

تُعد الصفة والأهلية من أدق المسائل التي تقوم عليها الخصومة القضائية، إذ لا يكفي لرفع الدعوى أن يدعي الشخص وجود حق أو مصلحة، وإنما يجب أن يكون صالحاً قانوناً لمباشرة الإجراءات القضائية، وأن يكون هو الشخص الذي يملك سلطة مباشرة الدعوى أو يوجهها إليه القانون باعتباره صاحب المركز القانوني محل الحماية القضائية.

وقد أدى عدم التمييز الدقيق بين الصفة والأهلية إلى قدر كبير من الخلط في العمل القضائي والفقهي؛ فتارةً تستخدم الصفة بمعنى أهلية التقاضي، وتارةً يراد بها سلطة المخاصمة، وتارةً تختلط بالمصلحة، مع أن لكل مفهوم منها وظيفة قانونية مختلفة وآثاراً إجرائية متميزة.

وقد نظم المشرع اليمني هذه المسائل في قانون المرافعات والتنفيذ المدني رقم (40) لسنة 2002م، فنص على أن الدعوى هي الوسيلة الشرعية والقانونية لكل ذي ادعاء أو دفاع، واشترط لصحة السير في الخصومة استيفاء الإجراءات القانونية، كما قرر أن من يمثل غيره في الدعوى لا ينتصب خصماً عنه إلا بوكالة أو ولاية أو وصاية، ونظم الصفة والمصلحة ضمن أحكام قبول الدعوى.[1]

وتبرز أهمية البحث في أن الأهلية تتعلق بالشخص وقدرته القانونية على مباشرة العمل الإجرائي، بينما تتعلق الصفة بالعلاقة القانونية بين الشخص والحق أو المركز القانوني محل الدعوى، وبسلطته في المخاصمة بشأنه.

وقد يكون الشخص كامل الأهلية للتقاضي، ولكنه لا يملك الصفة في دعوى معينة؛ وقد تثبت لشخص صفة في الحق محل الدعوى، ولكنه لا يستطيع مباشرة الإجراءات بنفسه بسبب نقص أهليته، فيباشرها عنه ولي أو وصي أو ممثل قانوني.

ومن هنا فإن التمييز بين الصفة والأهلية ليس ترفاً فقهياً، وإنما هو تمييز له آثار مباشرة في:

قبول الدعوى.

صحة الخصومة.

صحة الإجراءات.

التمثيل القانوني.

الدفع بعدم القبول.

البطلان.

تصحيح الخصومة.

استمرار الدعوى.

الحكم في الموضوع.

وتتجه هذه الدراسة إلى تأصيل المفهومين في القانون اليمني، ثم مقارنتهما بأصول الفقه الإسلامي، وبالقانون والقضاء المصري، مع عرض اتجاهات الفقهاء، وانتهاءً إلى رأي المؤلف في التكييف الأدق لكل منهما.

المبحث الأول

مفهوم الأهلية والصفة والتمييز بينهما

المطلب الأول

مفهوم الأهلية

الأهلية في معناها العام هي صلاحية الشخص لاكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات أو مباشرة التصرفات والأعمال القانونية.

وتنقسم في الفقه الإسلامي والقانون إلى نوعين أساسيين:

أولاً: أهلية الوجوب

وهي صلاحية الشخص لاكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات.

وتثبت للإنسان بحسب الأحكام الشرعية والقانونية بدرجاتها المعروفة.

ثانياً: أهلية الأداء

وهي صلاحية الشخص لمباشرة التصرفات والأعمال التي يعتد بها القانون أو الشرع.

ومن أهلية الأداء تتفرع ـ في المجال الإجرائي ـ أهلية التقاضي، أي صلاحية الشخص لمباشرة الأعمال والإجراءات القضائية بنفسه.

فأهلية التقاضي ليست هي الحق الموضوعي ذاته، وليست هي الصفة في الدعوى، وإنما هي قدرة الشخص القانونية على مباشرة الإجراءات القضائية أو تحمل آثارها وفقاً للقانون.

المطلب الثاني

مفهوم الصفة

الصفة في الدعوى تعني ـ في جوهرها ـ قيام رابطة قانونية بين الشخص وبين الحق أو المركز القانوني محل الحماية القضائية تجعله صالحاً لأن يكون مدعياً أو مدعى عليه في الدعوى المعينة.

فالمدعي صاحب الصفة هو من يباشر الدعوى باعتباره صاحب الحق أو المركز القانوني محل الحماية، أو من منحه القانون سلطة مباشرة الدعوى عنه.

والمدعى عليه ذو الصفة هو من توجه إليه الدعوى باعتباره صاحب المركز القانوني الذي يراد الحكم عليه بشأنه.

ومن ثم فإن الصفة ترتبط بموضوع الدعوى وأطرافها، بينما ترتبط الأهلية بصلاحية الشخص لمباشرة الإجراءات.

المطلب الثالث

الفرق الجوهري بين الصفة والأهلية

يمكن تلخيص الفرق الأساسي في أن:

الأهلية تسأل عن: هل يستطيع الشخص قانوناً مباشرة الإجراء القضائي؟

بينما:

الصفة تسأل عن: هل هذا الشخص هو صاحب المركز القانوني الذي تجوز مخاصمته أو مخاصمة غيره بشأنه؟

فإذا كان شخص بالغاً عاقلاً كامل الأهلية، لكنه رفع دعوى في حق لا علاقة له به، فالأهلية موجودة، ولكن الصفة غير متوافرة.

أما إذا كان الحق ثابتاً لقاصر، فإن القاصر قد يكون صاحب صفة في الحق، لكن لا تكون له أهلية الأداء اللازمة لمباشرة جميع الإجراءات بنفسه، فيباشرها وليه أو وصيه وفقاً للقانون.

وهنا تظهر دقة التمييز:

قد تجتمع الصفة والأهلية في شخص واحد، وقد تنفصلان.

المبحث الثاني

الصفة والأهلية في القانون اليمني

المطلب الأول

الدعوى وشروطها

قرر المشرع اليمني أن الدعوى هي الوسيلة الشرعية والقانونية لكل ذي ادعاء أو دفاع يرفعه إلى القاضي للفصل فيه وفقاً للقواعد الشرعية والقانونية.[2]

كما قرر أن الدعوى يجب أن ترفع بالطريقة والإجراءات الصحيحة، وأن للمحكمة أن تأمر باستكمال الناقص وتصحيح الباطل متى ظهر لها وجود نقص أو بطلان في الإجراءات.[3]

وهذا يدل على أن الخصومة القضائية لا تقوم بمجرد إرادة الشخص في التقاضي، وإنما تحتاج إلى استيفاء الشروط الموضوعية والإجرائية التي حددها القانون.

المطلب الثاني

الأهلية في قانون المرافعات اليمني

قرر المشرع اليمني أحكاماً تتعلق بأهلية التقاضي، ومن ذلك النص على اعتبار الأجنبي أهلاً للتقاضي أمام المحاكم اليمنية متى توافرت فيه شروط الأهلية وفق القانون اليمني، ولو لم يكن أهلاً وفق قانون بلده.[4]

وهذا النص يؤكد أن الأهلية مسألة تتعلق بالشخص ذاته وقدرته القانونية على مباشرة الخصومة.

كما نظم القانون التمثيل عن الغير، فنص على أنه لا ينتصب أحد خصماً عن غيره بصفته ممثلاً له إلا بوكالة أو ولاية أو وصاية.[5]

وهذا النص بالغ الأهمية في التمييز بين:

صاحب الحق.

صاحب الصفة.

صاحب أهلية التقاضي.

الممثل القانوني.

الوكيل.

المطلب الثالث

الصفة في القانون اليمني

قرر القانون اليمني أن الدعوى أو الطلب أو الدفع لا يقبل إذا لم تكن لصاحبه مصلحة قائمة يقرها القانون، مع الاعتداد بالمصلحة المحتملة في الحالات التي حددها القانون.[6]

كما قرر أن المحكمة تحكم بعدم قبول الدعوى أو الطلب أو الدفع إذا تبين لها، ولو من تلقاء نفسها، انتفاء الصفة أو المصلحة في أي مرحلة من مراحل الدعوى.[7]

وهذا النص يكشف عن أهمية الصفة في النظام الإجرائي اليمني، ويؤكد أن انتفاءها ليس مسألة هامشية، وإنما سبب قانوني لعدم قبول الدعوى.

المبحث الثالث

هل الصفة شرط قبول أم شرط لصحة الخصومة؟

هذه المسألة تحتاج إلى تدقيق.

فالصفة ليست مجرد وصف شكلي للشخص، وإنما هي علاقة قانونية بين أطراف الدعوى وموضوعها.

فإذا رفع شخص دعوى يطالب فيها بحق لا يملكه ولا يملك القانون منحه سلطة المطالبة به، فإن المشكلة ليست في أهليته للتقاضي، فقد يكون كامل الأهلية، وإنما في عدم وجود الصفة اللازمة لمباشرة الدعوى.

ومن هنا فإن الحكم بانتفاء الصفة لا يعني بالضرورة أن الحق الموضوعي غير موجود، وإنما يعني أن الشخص الذي أقام الدعوى ليس هو الشخص الذي يملك قانوناً سلطة المطالبة به في تلك الصورة.

المبحث الرابع

الصفة الموضوعية والصفة الإجرائية

من المفيد التمييز بين صورتين للصفة:

أولاً: الصفة الموضوعية

وهي اتصال الشخص بالحق أو المركز القانوني محل الدعوى.

فصاحب الحق هو صاحب الصفة الموضوعية الأصلية في المطالبة بحقه.

ثانياً: الصفة الإجرائية

وهي السلطة التي يمنحها القانون لشخص لمباشرة الدعوى أمام القضاء.

وقد يكون الشخص صاحب صفة إجرائية رغم أنه ليس صاحب الحق الموضوعي بنفسه.

ومن أبرز الأمثلة:

الولي.

الوصي.

القيم.

الممثل القانوني للشخص الاعتباري.

النيابة العامة في الأحوال التي يحددها القانون.

وهنا يظهر أن الصفة الإجرائية قد تكون أوسع من مجرد ملكية الحق الموضوعي.

المبحث الخامس

العلاقة بين الصفة والمصلحة

يجب عدم الخلط بين الصفة والمصلحة.

المصلحة

هي الفائدة العملية والقانونية التي تعود على الشخص من اللجوء إلى القضاء.

الصفة

هي السلطة القانونية في مباشرة الدعوى أو توجيهها بالنسبة إلى الحق أو المركز القانوني محل النزاع.

وقد تجتمعان، ولكن لا يلزم دائماً أن تكونا شيئاً واحداً.

فقد توجد مصلحة عملية لشخص في نزاع معين، ولكن القانون لا يمنحه الصفة في مباشرة الدعوى.

ومن ثم:

المصلحة تتعلق بالفائدة من القضاء، والصفة تتعلق بسلطة استعمال الطريق القضائي بالنسبة إلى النزاع المعين.

المبحث السادس

العلاقة بين الأهلية والصفة

هذه العلاقة هي جوهر الدراسة.

قد يكون الشخص:

الحالة الأولى

كامل الأهلية وله صفة.

مثل البالغ العاقل الذي يطالب بحقه الشخصي.

الحالة الثانية

كامل الأهلية وليس له صفة.

مثل شخص بالغ عاقل يرفع دعوى بحق لا يملكه ولا يملك القانون منحه سلطة المطالبة به.

الحالة الثالثة

له صفة في الحق ولكن ليست له أهلية مباشرة الإجراءات بنفسه.

مثل القاصر الذي يثبت له الحق، لكن يمثل في الخصومة بواسطة وليه أو وصيه بحسب الأحوال.

الحالة الرابعة

تكون له صفة إجرائية بحكم القانون دون أن يكون صاحب الحق الموضوعي.

ومن أمثلة ذلك بعض صور تمثيل الأشخاص الاعتبارية أو الحالات التي يمنح فيها القانون جهة معينة سلطة مباشرة الدعوى.

إذن:

الأهلية والصفة قد تجتمعان، وقد تنفصلان.

وهذه هي القاعدة التي ينبغي أن تحكم التكييف القضائي.

المبحث السابع

أثر انعدام الأهلية

إذا كان الشخص غير كامل الأهلية، فإن ذلك لا يعني بالضرورة سقوط الحق الموضوعي الذي يدعيه.

فالقاصر قد يكون صاحب الحق، لكن القانون يضع له نظاماً لحمايته في الخصومة.

والنتيجة:

انعدام أهلية المباشرة لا يساوي انعدام الحق.

وإنما يترتب عليه وجوب مباشرة الإجراءات بواسطة الممثل القانوني الذي يحدده القانون.

ولهذا يجب على المحكمة أن تميز بين:

انعدام الحق.

انعدام الصفة.

نقص الأهلية.

انعدام أهلية الأداء.

عدم صحة التمثيل.

فلكل حالة حكمها.

المبحث الثامن

أثر انعدام الصفة

إذا انتفت الصفة، فإن الدعوى لا تقبل في صورتها القائمة.

وهذا لا يعني بالضرورة أن أصل الحق غير موجود.

فقد يكون الحق ثابتاً لشخص آخر، أو يكون المدعى عليه غير هو الشخص الذي يجب اختصامه.

ولهذا اهتم المشرع اليمني بمعالجة حالة انتفاء صفة المدعى عليه، فأجاز للمحكمة ـ متى تبين لها أن انتفاء الصفة قائم على أساس ـ تأجيل نظر الدعوى لإعلان ذي الصفة وفقاً للنص القانوني.[8]

وهذه المعالجة تكشف عن اتجاه مهم في التشريع اليمني، وهو عدم تحويل الخطأ في تحديد الخصم دائماً إلى وسيلة لهدم الخصومة نهائياً، متى كان القانون يسمح بتصحيحها.

المبحث التاسع

التمثيل القانوني وأثره في الصفة والأهلية

التمثيل القانوني من أكثر المواضع التي يظهر فيها الفرق بين المفهومين.

فالشخص الذي يمثل القاصر لا يصبح صاحب الحق الموضوعي، وإنما يمارس الإجراءات نيابة عن صاحب الحق.

وكذلك ممثل الشخص الاعتباري لا يصبح مالكاً لأموال الشخص الاعتباري، وإنما يباشر الخصومة باسمه وفي الحدود التي يقررها القانون.

ومن ثم يجب ألا يقال:

إن الوكيل أو الولي أصبح هو صاحب الحق.

بل الأدق:

إنه يملك سلطة مباشرة الإجراءات نيابة عن صاحب الصفة الموضوعية.

المبحث العاشر

الصفة في الشخص الاعتباري

تظهر أهمية الصفة بصورة أوضح في دعاوى الأشخاص الاعتبارية.

فالشخص الاعتباري قد يكون هو صاحب الحق أو الالتزام، لكن لا يستطيع أن يمثل نفسه مادياً، ولذلك يباشر الخصومة بواسطة ممثله القانوني.

وهنا يجب التمييز بين:

الصفة للشخص الاعتباري.

سلطة ممثله في التعبير عنه.

أهلية الممثل في مباشرة الإجراء.

صحة سند التمثيل.

فقد تكون الجهة ذات صفة في الدعوى، ولكن الشخص الذي وقع الصحيفة باسمها لا يملك سلطة تمثيلها.

وهذه حالة مختلفة عن انعدام صفة الجهة ذاتها.

المبحث الحادي عشر

الدفع بانعدام الصفة

الدفع بانعدام الصفة من الدفوع المهمة في الخصومة.

وقد قرر القانون اليمني أن المحكمة تحكم بعدم قبول الدعوى أو الطلب أو الدفع عند انتفاء الصفة أو المصلحة، ولو من تلقاء نفسها، وفي أي مرحلة من مراحل الدعوى.[9]

وهذا يعني أن الصفة ليست من المسائل التي تسقط بمجرد الدخول في الموضوع متى كان النص يجعلها من النظام الذي تملك المحكمة إثارته من تلقاء نفسها.

لكن ينبغي التمييز بين:

انتفاء الصفة

و

الخطأ القابل للتصحيح في تحديد الشخص ذي الصفة.

فإذا كان القانون يسمح بتصحيح الخصومة أو إدخال صاحب الصفة، وجب بحث إمكان التصحيح قبل ترتيب الأثر النهائي.

المبحث الثاني عشر

الصفة والأهلية والوكالة

الوكالة تختلف عن الأهلية والصفة.

فالوكالة هي مصدر لسلطة شخص في مباشرة الإجراءات نيابة عن غيره.

وقد يكون الموكل:

كامل الأهلية.

صاحب الصفة.

ويكون الوكيل:

غير صاحب الحق الموضوعي.

لكنه يملك سلطة مباشرة الإجراءات بموجب الوكالة.

ومن هنا:

الصفة لا تساوي الوكالة، والوكالة لا تساوي الأهلية.

فالوكالة مصدر سلطة إجرائية، والأهلية صلاحية قانونية لمباشرة الإجراء، والصفة علاقة قانونية بالنزاع.

المبحث الثالث عشر

الصفة والأهلية في الفقه الإسلامي

اهتم الفقه الإسلامي بمسائل الأهلية والولاية والحجر والوكالة والخصومة القضائية اهتماماً واسعاً.

وتقوم الأهلية في الفقه الإسلامي على مفاهيم:

أهلية الوجوب.

أهلية الأداء.

البلوغ.

العقل.

الرشد.

الولاية.

الوصاية.

الوكالة.

والأصل أن الإنسان يكون محلاً للحقوق، لكن قدرته على مباشرة التصرفات تختلف بحسب حالته.

وقد قرر الفقهاء أحكاماً خاصة بالصبي والمجنون والمعتوه والمحجور عليه، كما قرروا نظام الولاية والوصاية لحماية مصالح من لا يستطيع مباشرة شؤونه بنفسه.[10]

وهذه الأحكام تمثل أساساً فقهياً واضحاً لفكرة تمثيل ناقص الأهلية أو عديمها أمام القضاء.

المبحث الرابع عشر

الصفة في الفقه الإسلامي

يمكن تأصيل فكرة الصفة في الفقه الإسلامي من خلال اشتراط اتصال المدعي بالحق أو المصلحة التي يطلب الحكم بها.

فلا يتصور أن يكون كل شخص مدعياً بحق لا علاقة له به.

ومن القواعد ذات الصلة:

البينة على المدعي.

وهي تفترض وجود مدع له علاقة بالحق المدعى به.

كما أن نظام الوكالة والولاية والوصاية يبين أن مباشرة الخصومة قد تقع من شخص غير صاحب الحق، ولكن لحساب صاحب الحق وبالسلطة الشرعية المقررة له.

ومن هنا يمكن القول إن الفقه الإسلامي يميز ـ من حيث الجوهر ـ بين:

صاحب الحق

و

من يملك مباشرة الخصومة عنه.

وهو تمييز يقترب كثيراً من التفرقة الحديثة بين الصفة الموضوعية والصفة الإجرائية.

المبحث الخامس عشر

أهلية التقاضي في الفقه الإسلامي

أهلية التقاضي ترتبط بأهلية الأداء.

فمن كان كامل الأهلية جاز له مباشرة خصومته بنفسه.

أما من كان ناقص الأهلية أو عديمها، فتتدخل الولاية أو الوصاية بحسب الأحوال.

وهذا يحقق مبدأ حماية الضعيف قانوناً وشرعاً.

والغرض من التمثيل ليس الانتقاص من حقه، وإنما تمكينه من الوصول إلى حقه بواسطة من يملك القدرة القانونية على مباشرة الإجراءات.

المبحث السادس عشر

المقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون اليمني

يتفق النظامان في أصول مهمة:

أولاً

حماية ناقص الأهلية وعديمها.

ثانياً

إقرار الولاية والوصاية والوكالة.

ثالثاً

عدم مساواة عدم القدرة على مباشرة الإجراءات بانعدام الحق.

رابعاً

اشتراط العلاقة القانونية بين المدعي والحق محل المطالبة.

خامساً

منع الشخص من مخاصمة غيره دون سند شرعي أو قانوني.

سادساً

تحقيق حماية قضائية فعلية لصاحب الحق ولو لم يكن قادراً على مباشرة الخصومة بنفسه.

ومن هنا فإن التشريع اليمني يجد في الفقه الإسلامي أساساً أصيلاً لكثير من قواعد الأهلية والتمثيل القضائي.

المبحث السابع عشر

الصفة والأهلية في القانون المصري

أخذ القانون المصري بالتمييز بين شروط استعمال الدعوى وبين أهلية الشخص لمباشرة الإجراءات.

وتنظم قواعد المرافعات المصرية أحكام الخصومة والتمثيل والنيابة الإجرائية، ويظهر في الفقه المصري تمييز واضح بين:

الصفة.

المصلحة.

الأهلية.

النيابة في الخصومة.

كما استقر القضاء المصري على أهمية الصفة باعتبارها مرتبطة بمن له سلطة مباشرة الدعوى أو بمن توجه إليه باعتباره صاحب المركز القانوني محل النزاع.

وقد تناول القضاء المصري مسائل الصفة والتوكيل منذ القضاء القديم، وأكد في أحكامه أن الدفع المتعلق بالصفة يمكن إثارته في مراحل الخصومة وفقاً للقواعد القانونية المنظمة له.[11]

المبحث الثامن عشر

موقف القضاء المصري من الصفة

من المبادئ القضائية المهمة أن الصفة لا تستخلص من مجرد ذكر اسم الشخص في صحيفة الدعوى، وإنما من حقيقة المركز القانوني الذي يقوم عليه النزاع.

فالعبرة ليست بعنوان الشخص، وإنما بصلته القانونية بالحق أو الالتزام محل الدعوى.

وقد تطورت التطبيقات القضائية المصرية في شأن الصفة الإجرائية، ولا سيما بالنسبة للأشخاص الاعتبارية والجهات العامة، بحيث أصبح تحديد صاحب الصفة في تمثيل الجهة مسألة مستقلة عن مجرد وجود الشخصية الاعتبارية ذاتها.[12]

وهذا مبدأ مهم للغاية؛ لأنه يمنع الخلط بين:

صفة الجهة

و

صفة ممثل الجهة في الخصومة.

المبحث التاسع عشر

رأي الفقه المصري في التمييز بين الصفة والأهلية

ذهب جانب من فقه المرافعات إلى أن الأهلية تتعلق بصلاحية الشخص لمباشرة الإجراءات القضائية، بينما تتعلق الصفة بسلطة الشخص في استعمال الدعوى أو مواجهتها.

وهذا الاتجاه هو الأقرب إلى المنطق القانوني.

فالصفة تجيب عن سؤال:

من هو الشخص الذي يجوز أن تكون له هذه الخصومة؟

أما الأهلية فتجيب عن سؤال:

هل يستطيع هذا الشخص مباشرة إجراءاتها بنفسه؟

ومن ثم لا يجوز دمج السؤالين في سؤال واحد.

المبحث العشرون

مفارقات عملية بين الصفة والأهلية

المفارقة الأولى

شخص بالغ عاقل يرفع دعوى في حق لا يخصه.

النتيجة:

الأهلية موجودة، والصفة غير موجودة.

المفارقة الثانية

قاصر يملك حقاً مالياً.

النتيجة:

الصفة الموضوعية موجودة، لكن أهلية مباشرة الإجراءات بنفسه ناقصة، فيمثله وليه أو وصيه وفق القانون.

المفارقة الثالثة

شركة لها حق، لكن من وقع الدعوى باسمها لا يملك سلطة تمثيلها.

النتيجة:

صفة الشركة قد تكون قائمة، لكن التمثيل الإجرائي قد يكون معيباً.

المفارقة الرابعة

شخص يملك مصلحة عملية في الدعوى، لكنه ليس صاحب الصفة التي يطلبها القانون.

النتيجة:

المصلحة وحدها لا تكفي.

المفارقة الخامسة

صاحب الحق موجود، ولكن الدعوى رفعت ضد شخص لا صلة قانونية له بالالتزام.

النتيجة:

المشكلة في صفة المدعى عليه، لا في أهلية المدعي.

المبحث الحادي والعشرون

هل انعدام الأهلية يؤدي إلى عدم قبول الدعوى أم إلى بطلان الإجراء؟

هذه من أدق المسائل.

ينبغي عدم إطلاق وصف واحد على جميع حالات الأهلية.

فإذا كان الشخص غير قادر على مباشرة الإجراء بنفسه، وكان القانون يشترط تمثيله بواسطة ولي أو وصي أو ممثل قانوني، فقد تكون المسألة متعلقة بصحة التمثيل والإجراء أكثر من كونها نفياً للحق الموضوعي.

ولهذا يجب على المحكمة ـ قبل ترتيب الأثر النهائي ـ أن تبحث:

طبيعة النقص.

هل هو قابل للتصحيح؟

هل يوجد ممثل قانوني؟

هل تم إعلان من يجب إعلانه؟

هل أجاز القانون تصحيح الإجراء؟

هل ترتب ضرر فعلي على الخصم؟

والقاعدة الأهم:

لا ينبغي الخلط بين انعدام أهلية الشخص وبين انعدام الحق الذي يحميه.

المبحث الثاني والعشرون

أثر الصفة والأهلية على الحكم القضائي

إذا تبين للمحكمة انتفاء الصفة، فإن الحكم ينبغي أن يتجه إلى الأثر الإجرائي الذي رتبه القانون، وهو عدم قبول الدعوى في الحالات التي ينطبق عليها النص.

أما إذا كانت المشكلة في الأهلية أو التمثيل، فيجب أولاً تحديد ما إذا كان القانون يجي التصحيح أو استكمال التمثيل.

والخطأ في التكييف قد يؤدي إلى نتيجة خطيرة، مثل:

رفض الدعوى موضوعياً بدلاً من القضاء بعدم قبولها.

اعتبار صاحب الحق غير موجود لمجرد أنه ناقص الأهلية.

اعتبار عيب التمثيل انعداماً للحق.

الحكم على غير ذي صفة.

الاستمرار في خصومة مع شخص لا يملك القانون اختصامه.

المبحث الثالث والعشرون

الصفة والأهلية من النظام العام

تختلف الأحكام بحسب طبيعة كل حالة والنص المنظم لها.

إلا أن الصفة في الحالات التي رتب القانون على انتفائها عدم قبول الدعوى يجوز للمحكمة إثارتها من تلقاء نفسها وفق النص اليمني.

وهذا ما قرره المشرع صراحة في المادة (76).[13]

أما الأهلية، فإن المحكمة ينبغي أن تتحقق منها كلما كانت مؤثرة في صحة مباشرة الإجراءات، لأن الغرض منها حماية الشخص الذي لا يملك القدرة القانونية الكاملة على إدارة خصومته.

والجامع بينهما هو أن المحكمة لا ينبغي أن تبني حكماً موضوعياً نهائياً على خصومة لم تستوف عناصرها الأساسية.

المبحث الرابع والعشرون

أثر اكتشاف انعدام الصفة أثناء سير الدعوى

إذا اكتشفت المحكمة أثناء سير الدعوى أن المدعى عليه ليس هو صاحب الصفة، فلا ينبغي أن تنتقل مباشرة إلى الحكم النهائي قبل فحص إمكان تصحيح الخصومة وفق القانون.

وقد عالج المشرع اليمني هذه المسألة في المادة (187)، حيث أجاز للمحكمة، عند قيام انتفاء صفة المدعى عليه على أساس، تأجيل نظر الدعوى لإعلان ذي الصفة.[14]

وهذا الحكم يعكس اتجاهاً مهماً نحو:

تصحيح الخصومة قبل إنهائها متى كان التصحيح ممكناً قانوناً.

المبحث الخامس والعشرون

أثر اكتشاف نقص الأهلية أثناء سير الدعوى

إذا تبين أن أحد الخصوم ناقص الأهلية أو عديمها، فإن المحكمة ينبغي أن تتحقق من ممثله القانوني.

والغاية من ذلك ليست إنهاء الدعوى، وإنما حماية مصلحة ناقص الأهلية وضمان أن تتم الخصومة بصورة صحيحة.

ومن هنا فإن:

الحماية الإجرائية لناقص الأهلية مقدمة على التعجل في إنهاء الخصومة.

المبحث السادس والعشرون

الصفة والأهلية في مرحلة الطعن

تتجدد أهمية الصفة والأهلية في الاستئناف والطعن.

فليس كل شخص شارك في الدعوى الابتدائية يستطيع بالضرورة مباشرة كل طرق الطعن.

ويجب أن تتوافر:

الصفة في الطعن.

الأهلية الإجرائية.

المصلحة في الطعن.

التمثيل الصحيح عند وجوبه.

ومن ثم فإن الطعن المقدم من شخص لا يملك الصفة أو لا يملك أهلية مباشرته وفق القانون قد يواجه بعدم القبول أو الجزاء الإجرائي المناسب بحسب الحالة.

المبحث السابع والعشرون

الصفة والأهلية في الدعاوى المستعجلة

لا تسقط الطبيعة المستعجلة للدعوى شرط الصفة أو الأهلية.

فالاستعجال يبرر السرعة، لكنه لا ينشئ صفة غير موجودة ولا يمنح شخصاً أهلية غير متوافرة.

ولهذا:

الاستعجال لا يعالج انعدام الصفة، كما لا يعالج انعدام الأهلية.

وإنما يظل القاضي المستعجل مقيداً بحدود اختصاصه وبشروط الخصومة.

المبحث الثامن والعشرون

الصفة والأهلية وأثرهما في التكييف القضائي

من أهم مبادئ التكييف القضائي أن العبرة بحقيقة المركز القانوني لا بالألفاظ التي يستخدمها الخصوم.

ولهذا ينبغي على القاضي أن يسأل:

من صاحب الحق؟

من صاحب المركز القانوني محل النزاع؟

من يملك سلطة المطالبة؟

هل المدعي كامل الأهلية؟

هل يحتاج إلى ممثل؟

هل المدعى عليه هو صاحب الصفة؟

هل الممثل يملك سلطة تمثيل من يمثله؟

هل العيب قابل للتصحيح؟

وبذلك يكون التكييف سليماً.

المبحث التاسع والعشرون

رأي المؤلف في التفرقة بين الصفة والأهلية

أرى أن الخلط بين الصفة والأهلية من أكثر أسباب اضطراب التطبيق القضائي.

والتعريف الأدق ـ في نظري ـ هو:

الأهلية

صلاحية الشخص القانونية لمباشرة الإجراءات القضائية بنفسه وتحمل آثارها.

الصفة

قيام السلطة أو الرابطة القانونية التي تجعل الشخص صالحاً لمباشرة الدعوى باعتباره صاحب الحق أو المركز القانوني محل الحماية، أو ممثلاً قانونياً لمن يملكه، أو خصماً موجهاً إليه الادعاء باعتباره صاحب المركز القانوني محل النزاع.

وبناءً على ذلك:

الأهلية وصف يتعلق بالشخص.

والصفة علاقة قانونية تتعلق بالشخص وبالنزاع معاً.

وهذه التفرقة في رأيي هي المفتاح الصحيح لفهم النظام الإجرائي.

المبحث الثلاثون

قاعدة المؤلف في التمييز بين الصفة والأهلية

يمكن صياغة القاعدة الآتية:

إذا كان السؤال: هل يستطيع الشخص مباشرة الإجراء؟ فالمسألة أهلية.

وإذا كان السؤال: هل يجوز لهذا الشخص أن يباشر هذه الدعوى بالذات؟ فالمسألة صفة.

وإذا كان السؤال: هل يستطيع أن يباشرها عن شخص آخر؟ فالمسألة تمثيل أو وكالة أو ولاية أو وصاية.

وهذه القاعدة تمنع كثيراً من الخلط في الأحكام القضائية.

المبحث الحادي والثلاثون

مقارنة جامعة بين الصفة والأهلية

وجه المقارنة

الصفة

الأهلية

محلها

الشخص وعلاقته بالدعوى

الشخص ذاته

أساسها

الحق أو المركز القانوني أو السلطة القانونية في المخاصمة

الصلاحية القانونية لمباشرة الإجراء

السؤال الذي تجيب عنه

من يملك مباشرة الدعوى أو توجه إليه؟

هل يستطيع الشخص مباشرة الإجراء بنفسه؟

قد تنفصل عن الأخرى؟

نعم

نعم

القاصر

قد تكون له صفة في الحق

قد لا يملك أهلية مباشرة الإجراءات بنفسه

البالغ الغريب عن الحق

أهلية موجودة

موجودة

أثر انتفائها

عدم قبول الدعوى في الأحوال التي حددها القانون

الجزاء يتحدد بحسب طبيعة العيب وإمكان التصحيح والتمثيل

علاقتها بالتمثيل

قد تباشر بواسطة ممثل

قد تستكمل بالولاية أو الوصاية أو التمثيل

علاقتها بالحق الموضوعي

أقرب إلى الرابطة به

لا تعني ملكية الحق

طبيعتها

إجرائية مرتبطة بالنزاع

شخصية إجرائية مرتبطة بالصلاحية

المبحث الثاني والثلاثون

المبادئ التي يستخلصها الباحث

المبدأ الأول

الصفة ليست هي الأهلية.

المبدأ الثاني

الأهلية لا تعني بالضرورة وجود الصفة.

المبدأ الثالث

قد تثبت الصفة لشخص لا يستطيع مباشرة الخصومة بنفسه.

المبدأ الرابع

الولي أو الوصي لا يصبح صاحب الحق الموضوعي لمجرد تمثيله للقاصر.

المبدأ الخامس

الوكيل يباشر الخصومة عن صاحب الصفة ولا تنتقل إليه ملكية الحق.

المبدأ السادس

المصلحة تختلف عن الصفة.

المبدأ السابع

الاستعجال لا ينشئ صفة ولا أهلية.

المبدأ الثامن

العبرة بحقيقة المركز القانوني لا بالوصف الذي يضعه الخصوم.

المبدأ التاسع

انتفاء الصفة لا يعني بالضرورة انتفاء الحق الموضوعي.

المبدأ العاشر

نقص الأهلية لا يعني سقوط الحق.

المبدأ الحادي عشر

يجب التحقق من إمكان تصحيح العيب قبل إنهاء الخصومة متى أجاز القانون ذلك.

المبدأ الثاني عشر

صفة الشخص الاعتباري شيء، وصفة ممثله في تمثيله شيء آخر.

المبدأ الثالث عشر

الصفة قد تكون موضوعية أو إجرائية بحسب مصدرها ووظيفتها.

المبدأ الرابع عشر

الأهلية تتعلق بصلاحية الشخص لمباشرة العمل الإجرائي.

المبدأ الخامس عشر

التكييف الصحيح للعيب مقدمة ضرورية لتحديد الجزاء الصحيح.

المبحث الثالث والثلاثون

التطبيقات القضائية المقترحة

إذا رفع شخص كامل الأهلية دعوى بحق لا يخصه:

النتيجة: انتفاء الصفة، لا انتفاء الأهلية.

إذا رفع قاصر دعوى بحق ثابت له دون ممثل قانوني:

النتيجة: البحث في أهلية مباشرة الإجراء وصحة التمثيل، وليس إنكار الحق الموضوعي.

إذا رفعت الدعوى على شركة بواسطة شخص لا يملك سلطة تمثيلها:

النتيجة: البحث في صحة التمثيل وسلطة الممثل، لا في وجود شخصية الشركة.

إذا رفعت الدعوى على شخص لا علاقة له بالالتزام:

النتيجة: البحث في صفة المدعى عليه وإمكان تصحيح الخصومة.

إذا كان المدعي صاحب حق ومكتمل الأهلية:

النتيجة: تجتمع الصفة والأهلية والمصلحة في شخص واحد.

المبحث الرابع والثلاثون

الرأي النقدي للمؤلف

أرى أن استعمال لفظ الصفة في بعض النصوص الإجرائية بمعانٍ متعددة هو أحد أسباب الالتباس في التطبيق.

فحين يراد بالصفة:

أهلية التقاضي

فإنها تتعلق بقدرة الشخص على مباشرة الإجراءات.

وحين يراد بها:

سلطة المخاصمة

فإنها تتعلق بوجود رابطة قانونية بين الشخص والدعوى.

وحين يراد بها:

صفة الممثل

فإنها تتعلق بسلطته في تمثيل الشخص الاعتباري أو الطبيعي.

ومن ثم فإن الدقة التشريعية تقتضي التمييز الصريح بين:

أهلية التقاضي.

الصفة في الدعوى.

سلطة التمثيل.

الوكالة.

المصلحة.

وأرى أن هذا التمييز من شأنه أن يقلل من اختلاف الأحكام القضائية في تكييف العيب والجزاء المترتب عليه.

المبحث الخامس والثلاثون

مقترح المؤلف

أقترح عند نظر أي دعوى أن تمر المحكمة ـ منهجياً ـ بالأسئلة التالية:

السؤال الأول

هل توجد مصلحة قانونية؟

السؤال الثاني

من صاحب الحق أو المركز القانوني؟

السؤال الثالث

من صاحب الصفة في الدعوى؟

السؤال الرابع

هل المدعى عليه هو الشخص ذو الصفة؟

السؤال الخامس

هل يتمتع المدعي بأهلية التقاضي؟

السؤال السادس

إذا لم يكن كامل الأهلية، فمن يمثله؟

السؤال السابع

هل يملك الممثل سلطة التمثيل؟

السؤال الثامن

هل العيب قابل للتصحيح؟

السؤال التاسع

ما الجزاء القانوني الصحيح؟

وبهذه الطريقة يصبح التكييف القضائي متدرجاً ومنضبطاً، ولا تختلط الصفة بالأهلية أو المصلحة أو التمثيل.

الخاتمة

يتضح من الدراسة أن الصفة والأهلية مفهومان متلازمان في العمل القضائي ولكنهما ليسا شيئاً واحداً.

فالأهلية تتعلق بصلاحية الشخص لمباشرة الإجراءات القضائية، بينما تتعلق الصفة بسلطته القانونية في مباشرة الدعوى المعينة أو بكونه الشخص الذي توجه إليه الخصومة بسبب علاقته بالمركز القانوني محل النزاع.

وقد أظهر القانون اليمني أهمية هذا التمييز من خلال تنظيم الأهلية والتمثيل والصفة والمصلحة، ومنحه المحكمة سلطة الحكم بعدم قبول الدعوى عند انتفاء الصفة أو المصلحة، مع تنظيم تصحيح بعض صور الخطأ في تحديد الخصم.[15]

أما الفقه الإسلامي فقد أقام نظاماً متكاملاً للأهلية والولاية والوصاية والوكالة، وهو ما يوفر أساساً تأصيلياً قوياً للتمييز بين صاحب الحق وبين من يملك مباشرة الخصومة عنه.

كما يكشف القانون والفقه والقضاء المصري عن تمييز واضح بين الصفة والأهلية والمصلحة والتمثيل، وعن أهمية تحديد صاحب المركز القانوني الذي يملك مباشرة الدعوى أو توجه إليه.

والقاعدة الجامعة التي ينتهي إليها الباحث هي:

الأهلية صلاحية الشخص لمباشرة الإجراء القضائي، والصفة سلطته القانونية في مباشرة الدعوى المعينة أو مواجهتها، والتمثيل وسيلة مباشرة الخصومة عن صاحب الصفة، والمصلحة هي الفائدة القانونية التي تبرر اللجوء إلى القضاء.

ومن ثم فإن:

انتفاء الأهلية لا يعني انتفاء الحق، وانتفاء الصفة لا يعني بالضرورة انتفاء الحق الموضوعي، ووجود المصلحة لا يكفي وحده لإثبات الصفة، ووجود الصفة لا يغني عن الأهلية اللازمة لمباشرة الإجراءات.

النتائج

الصفة والأهلية مفهومان مختلفان.

الأهلية وصف يتعلق بالشخص وصلاحيته لمباشرة الإجراءات.

الصفة تتعلق بعلاقة الشخص بالدعوى والحق أو المركز القانوني محل النزاع.

قد تجتمع الصفة والأهلية في شخص واحد.

قد توجد الصفة دون أهلية مباشرة الإجراءات.

قد توجد الأهلية دون صفة في الدعوى.

المصلحة تختلف عن الصفة.

الوكالة تختلف عن الأهلية والصفة.

الولي والوصي يمثلان صاحب الحق ولا يصبحان مالكين للحق لمجرد التمثيل.

الشخص الاعتباري قد تكون له الصفة، بينما تكون سلطة التمثيل لشخص طبيعي آخر.

انتفاء الصفة يؤدي إلى عدم قبول الدعوى في الحالات التي يقرر فيها القانون ذلك.

نقص الأهلية يستلزم بحث التمثيل القانوني وإمكان التصحيح.

الاستعجال لا ينشئ صفة ولا أهلية.

يجب على المحكمة التحقق من الصفة والأهلية قبل الفصل في الموضوع.

يجب التمييز بين انتفاء الصفة والخطأ القابل للتصحيح في تحديد الخصم.

القانون اليمني أعطى المحكمة سلطة إثارة انتفاء الصفة والمصلحة من تلقاء نفسها.

الفقه الإسلامي أسس لنظام الولاية والوصاية والوكالة حمايةً لناقص الأهلية.

القضاء المصري يؤكد أهمية تحديد صاحب الصفة في الخصومة.

الصفة الإجرائية قد تثبت لشخص غير صاحب الحق الموضوعي إذا منحه القانون سلطة التمثيل أو المخاصمة.

التكييف الصحيح للعيب هو الأساس في تحديد الجزاء الإجرائي الصحيح.

التوصيات

توحيد استعمال مصطلح الأهلية في المواضع التي يقصد بها صلاحية الشخص لمباشرة التقاضي.

التمييز تشريعياً وقضائياً بين أهلية التقاضي والصفة وسلطة التمثيل.

عدم الحكم بعدم قبول الدعوى قبل التحقق من إمكان تصحيح العيب متى أجاز القانون ذلك.

عدم الخلط بين انتفاء الصفة وانتفاء الحق الموضوعي.

عدم اعتبار نقص أهلية الخصم سبباً تلقائياً لإنكار الحق الذي يدعيه.

التحقق من صفة ممثل الشخص الاعتباري بصورة مستقلة عن صفة الشخص الاعتباري نفسه.

التمييز بين الصفة الموضوعية والصفة الإجرائية.

التحقق من صحة الوكالة أو الولاية أو الوصاية باعتبارها مصدراً للتمثيل.

ضبط الأحكام القضائية المتعلقة بانعدام الصفة حتى لا تختلط بالأحكام الموضوعية.

اعتماد قاعدة أن العبرة بحقيقة المركز القانوني وآثاره لا بمجرد الألفاظ المستخدمة في صحيفة الدعوى.

الاستفادة من الفقه الإسلامي في تطوير أحكام حماية ناقصي الأهلية.

الاستفادة من القضاء المصري في تطوير التمييز بين الصفة والأهلية والتمثيل.

الهوامش والمراجع المعتمدة

[1] قانون المرافعات والتنفيذ المدني اليمني رقم (40) لسنة 2002م، المواد (70–76)، في الدعوى وشروطها والصفة والمصلحة والأهلية والتمثيل.

[2] المرجع نفسه، المادة (70)، في تعريف الدعوى باعتبارها الوسيلة الشرعية والقانونية لكل ذي ادعاء أو دفاع.

[3] المرجع نفسه، المادتان (71،72)، في صحة إجراءات رفع الدعوى واستكمال الناقص وتصحيح الباطل.

[4] المرجع نفسه، المادة (73)، في أهلية الأجنبي للتقاضي أمام المحاكم اليمنية.

[5] المرجع نفسه، المادة (74)، في الوكالة والولاية والوصاية والتمثيل عن الغير.

[6] المرجع نفسه، المادة (75)، في المصلحة القائمة والمصلحة المحتملة.

[7] المرجع نفسه، المادة (76)، في الحكم بعدم قبول الدعوى أو الطلب أو الدفع عند انتفاء الصفة أو المصلحة، ولو من تلقاء المحكمة.

[8] المرجع نفسه، المادة (187)، في حالة انتفاء صفة المدعى عليه وإمكان تأجيل نظر الدعوى لإعلان ذي الصفة.

[9] المرجع نفسه، المادة (76).

[10] السرخسي، المبسوط، أبواب الحجر والولاية والوكالة؛ وابن قدامة، المغني، أبواب الحجر والولاية والوكالة والخصومة؛ والكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، مباحث الأهلية والولاية والحجر.

[11] مبادئ القضاء المصري في الصفة والتوكيل والخصومة، وما استقر عليه القضاء من التمييز بين صفة المدعي وصفة المدعى عليه وسلطة الوكيل في مباشرة الخصومة.

[12] أحكام محكمة النقض المصرية في شأن صفة الأشخاص الاعتبارية وصفة ممثليها في الخصومة، ومن ذلك المبادئ القضائية المتعلقة بصاحب الصفة في تمثيل وحدات الحكم المحلي والأشخاص الاعتبارية العامة.

[13] قانون المرافعات والتنفيذ المدني اليمني رقم (40) لسنة 2002م، المادة (76).

[14] المرجع نفسه، المادة (187).

[15] المرجع نفسه، المواد (70–76)، والمواد المتعلقة بالدفوع والتمثيل والإدخال وتصحيح الخصومة.

[16] أحمد أبو الوفا، المرافعات المدنية والتجارية، مباحث شروط قبول الدعوى والصفة والأهلية والنيابة في الخصومة.

[17] فتحي والي، الوسيط في قانون القضاء المدني، مباحث الدعوى وشروط قبولها والصفة والأهلية والنيابة في الخصومة.

[18] وجدي راغب، مبادئ الخصومة المدنية، مباحث الدعوى والصفة والمصلحة والنيابة في الخصومة.

[19] عبد الرزاق أحمد السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، مباحث الأهلية والنيابة والحقوق والمراكز القانونية، بحسب مواضع الاستدلال.

[20] محمود عبد الرحمن، مؤلفات ودراسات قانون المرافعات المتعلقة بشروط قبول الدعوى والصفة والأهلية، في حدود ما يتصل بموضوع الدراسة.

[21] قانون المرافعات المدنية والتجارية المصري رقم (13) لسنة 1968م، والأحكام المتعلقة بالخصومة والنيابة والأهلية والصفة والمصلحة، مع الرجوع إلى أحكام القضاء المصري المستقرة في هذا المجال.

[22] مبادئ محكمة النقض المصرية المتعلقة بالصفة والتوكيل، وبخاصة المبدأ القضائي الذي يقرر إمكان إثارة الدفع المتعلق بصفة المدعي في مراحل الخصومة وفقاً للقواعد القانونية المنظمة لذلك.

[23] القواعد الفقهية ذات الصلة بحماية الحقوق والأهلية والولاية، ومنها: «لا ضرر ولا ضرار»، و«الضرر يزال»، و«تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة».

[24] كتب الفقه الإسلامي في الأهلية والحجر والولاية والوصاية والوكالة والخصومة، ومنها: السرخسي، المبسوط؛ الكاساني، بدائع الصنائع؛ ابن قدامة، المغني؛ والنووي، المجموع، بحسب مواضع البحث.

[25] قانون المرافعات والتنفيذ المدني اليمني رقم (40) لسنة 2002م، المواد (74،76،187،189 وما بعدها)، في التمثيل والصفة وتصحيح الخصومة والإدخال.

رأي المؤلف الختامي

إن الصفة ليست الأهلية، والأهلية ليست الصفة، والمصلحة ليست أياً منهما.

فالصفة تحدد صاحب الحق أو المركز القانوني في الخصومة ومن يجوز أن توجه إليه، والأهلية تحدد قدرة الشخص على مباشرة الإجراءات بنفسه، والتمثيل يحدد من يملك مباشرة تلك الإجراءات نيابة عن صاحبها، أما المصلحة فهي الفائدة القانونية التي تبرر اللجوء إلى القضاء.

وأرى أن كثيراً من الإشكالات القضائية يمكن تجاوزها إذا بدأ القاضي قبل الدخول في الموضوع بأربعة أسئلة مرتبة: من صاحب الحق؟ ومن صاحب الصفة؟ وهل يملك أهلية التقاضي؟ وإذا لم يملكها فمن يمثله قانوناً؟

فإذا استقامت هذه العناصر استقامت الخصومة في أساسها، وإذا اختلطت، اختلط الحكم وتداخل عدم القبول بالبطلان بالرفض الموضوعي، وقد ينتهي القضاء إلى نتيجة لا تتفق مع حقيقة المركز القانوني للخصوم.

**ومن ثم فإن التمييز بين الصفة والأهلية ليس مجرد تمييز اصطلاحي، وإنما هو ضمانة لصحة الخصومة، وحماية لحق التقاضي، وصيانة لحقوق ناقصي الأهلية، وتحقيق للتكييف القضائي السليم.**

[13/‏9, 11:59 م] bljfarmhtarrajhbljfaralrajhy: الموسوعة القضائية والفقهية والقانونية والعلمية المقارنة


الفرق بين الولي والوصي والمنصوب والقيم


دراسة تأصيلية تحليلية مقارنة في القانون اليمني والفقه الإسلامي والقضاء المصري وآراء الفقهاء


تأليف وبحث: المستشار والباحث مختار راجح


---


مقدمة


تتعدد صور الحماية القانونية والشرعية للأشخاص الذين لا يملكون مباشرة شؤونهم أو أموالهم على الوجه الذي يحقق مصلحتهم، فتظهر في هذا المجال مراكز قانونية متعددة، من أهمها: الولي، والوصي، والمنصوب، والقيم.


وقد يبدو لأول وهلة أن هذه المسميات تؤدي وظيفة واحدة، وهي رعاية شخص آخر أو إدارة ماله، إلا أن التدقيق يكشف اختلافاً جوهرياً بينها من حيث مصدر السلطة، وسبب قيامها، والشخص محل الحماية، ونطاق الاختصاص، ومدى الاستقلال في التصرف، والرقابة القضائية، والالتزامات، والمحظورات.


فالولي يستمد ولايته في الأصل من سبب مقرر شرعاً وقانوناً، بينما الوصي يستمد سلطته من تعيين سابق ممن يملك إنشاء الوصاية في الحدود التي يقررها القانون، والمنصوب يستمد سلطته من القضاء عند غياب صاحب الولاية أو الوصاية أو عند قيام حالة تستلزم تدخلاً قضائياً، أما القيم فيرتبط مركزه – في الاصطلاح القانوني المقارن – بالمحجور عليه بسبب عارض من عوارض الأهلية، ويتولى إدارة شؤونه وفق حدود الحكم أو قرار التعيين والقواعد المنظمة لذلك.


ويكتسب التمييز بين هذه المراكز أهمية عملية بالغة؛ لأن الخطأ في تحديد صفة الشخص الذي يباشر التصرف قد يؤدي إلى عدم نفاذ التصرف، أو بطلانه، أو قابليته للإبطال، أو عدم قبول الإجراء القضائي، أو مسؤولية من باشره، أو عزله من مهمته.


وقد نظم القانون المدني اليمني أحكام الأهلية والحجر والولاية والوصاية، وربط حماية ناقصي الأهلية وفاقديها برقابة القضاء والنيابة العامة. كما نظم قانون الأحوال الشخصية اليمني الولاية والوصاية والمنصوب الوصي بصورة أكثر تفصيلاً. وتؤكد النصوص اليمنية أن الغاية الأساسية ليست منح سلطة مطلقة للولي أو الوصي أو المنصوب، وإنما حماية مصلحة من يقوم مقامه والمحافظة على ماله وحقوقه. [1]


ومن هنا تطرح الدراسة الأسئلة الآتية:


ما الفرق الحقيقي بين الولي والوصي والمنصوب والقيم؟


ما مصدر سلطة كل منهم؟


هل سلطة الولي أوسع من سلطة الوصي؟


هل يستطيع الوصي أن يفعل كل ما يستطيع الولي فعله؟


هل المنصوب مجرد وصي تعينه المحكمة، أم أن له مركزاً قانونياً مستقلاً؟


هل القيم هو ذاته المنصوب؟


ما حدود التصرف في مال القاصر أو المحجور عليه؟


وما الأعمال التي يحظر على هؤلاء مباشرتها؟


وما موقف الفقه الإسلامي؟


وما موقف القانون والقضاء المصري؟


وما الرأي الذي ينبغي الأخذ به في تفسير النصوص اليمنية؟


---


التمهيد


المفاهيم الأساسية محل الدراسة


أولاً: معنى الولاية


الولاية في أصلها سلطة شرعية أو قانونية يثبتها النظام لشخص معين ليتولى شؤون شخص آخر لا يستطيع مباشرة شؤونه بنفسه أو يحتاج إلى من يقوم على مصالحه.


وتتعدد الولاية بحسب محلها، فقد تكون:


1. ولاية على النفس.

2. ولاية على المال.

3. ولاية على النفس والمال معاً بحسب النظام القانوني.


وقد نص قانون الأحوال الشخصية اليمني على أن الولاية تكون على النفس وعلى المال، فجعل الولاية على النفس متعلقة بالعناية بكل ما يتصل بشخص القاصر، والولاية على المال متعلقة بالعناية بكل ما يتصل بماله. [2]


فالولي ليس مجرد وكيل عادي؛ لأن الوكالة تستمد أساسها من إرادة الموكل، أما الولاية فمصدرها الشرع أو القانون أو المركز الذي قرره القانون.


---


ثانياً: معنى الوصي


الوصي هو من يعهد إليه شخص بما له سلطة شرعية أو قانونية أن يقوم بعد وفاته برعاية القاصر أو تنفيذ بعض شؤونه أو إدارة ماله في الحدود المقررة.


وقد عرف قانون الأحوال الشخصية اليمني الوصي بأنه من يقيمه المورث في تركته لتنفيذ وصاياه وقضاء ديونه ورعاية قصاره وأموالهم، مع ترتيب من يخلفه عند الحاجة. [3]


ويترتب على ذلك أن الوصاية تختلف عن الولاية من حيث مصدر السلطة.


فالولي يستمد سلطته من مركزه الذي قرره القانون، بينما الوصي يستمدها من التعيين في الوصية، ثم تستكمل سلطته بالشروط والضوابط القانونية.


---


ثالثاً: معنى المنصوب


المنصوب هو الشخص الذي تعينه المحكمة للقيام بمهمة قانونية محددة عند عدم وجود صاحب السلطة الأصلي أو عند تعذر مباشرته لاختصاصه أو عند وجود ضرورة تستلزم حماية مصلحة من يحتاج إلى الرعاية.


وقد أخذ القانون اليمني بهذا المركز صراحة.


فقد نص على تعيين المحكمة منصوباً وصياً لمن لا وصاية له، كما نظم تعيين منصوب مؤقت عند غياب الوصي أو اعتقاله إذا خيف على مصلحة القاصر من الضياع. [4]


كما أن القانون المدني اليمني أخذ بفكرة المنصوب بالنسبة إلى الغائب الذي لا يوجد له وكيل أو ولي أو وصي، فجعل المحكمة تعين منصوباً عنه، وقرر له سلطات الوصي وعليه واجباته تحت إشراف المحكمة. [5]


ومن ثم فإن المنصوب ليس شخصاً خارج النظام القانوني، بل هو مركز قانوني قضائي ينشأ بقرار من المحكمة لحماية مصلحة معينة.


---


رابعاً: معنى القيم


القيم في الاصطلاح القانوني المقارن هو الشخص الذي يعين لإدارة شؤون المحجور عليه أو من فقد أو نقصت أهليته، ويقوم مقامه في الحدود التي يحددها القانون وقرار القضاء.


والقوامة ترتبط بصورة أوضح بالحجر وبعارض من عوارض الأهلية، بخلاف الولاية التي قد تقوم بسبب الصغر دون حاجة إلى صدور حكم بالحجر.


وهنا تظهر إحدى أهم نقاط التمييز:


ليس كل ولي قيماً، وليس كل وصي قيماً، وليس كل منصوب قيماً بالمعنى الاصطلاحي الدقيق.


وقد يستخدم القانون أو القضاء ألفاظاً متقاربة بحسب النظام القانوني، ولذلك ينبغي الاعتداد بحقيقة المركز القانوني ومصدر السلطة، لا بمجرد التسمية.


---


المبحث الأول


طبيعة الولاية ومصدرها


المطلب الأول: الولي