في غضون ساعات معدودة، اهتزت خريطة الميدان العسكري في اليمن على وقع حدث لم يكن في حسابات المراقبين؛ حيث تهاوت خطوط الدفاع في الساحل الغربي لمساحة تقدر بنحو 2600 كيلومتر مربع، مسجلةً انسحاباً أو سقوطاً دراماتيكياً وصل إلى مدينة المخا ومشارف باب المندب، وهي المنطقة التي كانت تُعدّ لسنوات إحدى أكثر الجبهات تحصيناً وتجهيزاً.
لكن الصدمة لم تكن في اتساع الجغرافيا المفقودة فحسب، بل في حجم وحجم العتاد والترسانة العسكرية الهائلة التي تخلّت عنها قوات العميد طارق صالح، في ليلة وضحاها، لتصبح في قبضة حركة أنصار الله (الحوثيين)، ما فتح باباً واسعاً من التكهنات والأسئلة الملحة: هل ما حدث كان مجرد انهيار عسكري، أم سيناريو مُخططاً لإعادة تسليح الخصم؟ وأين كان التحالف العربي مما يجري؟
ترسانة في مهب الريح: أرقام تثير الريبة
تشير الإحصائيات الأولية والتقارير الميدانية لحجم الخسائر والعتاد المترك في جبهات الساحل الغربي إلى أرقام ترقى لمستوى "الفاجعة اللوجستية". فقد تضمنت القائمة المسربة أو المعلنة ما يقارب 1100 طقم عسكري متنوع (بين "هايلوكس" و"شاص")، يحمل نحو 600 منها رشاشات ثقيلة (12.7 ملم و14.5 ملم)، إضافة إلى 120 مدرعة "نمر" الإماراتية، و90 مدرعة "Oshkosh" أمريكية، و60 ناقلة جند من طراز "Caiman"، و40 مدرعة "RG31".
ولم تقتصر الغنائم على العربات الخفيفة والمدرعة، بل امتدت لتشمل الدبابات الثقيلة (تشكيلات من طرازات T-55 وT-62 وصولاً إلى T-72)، وراجمات الصواريخ من نوع BM-21 Grad، ومدافع ميدانية وثقيلة مثل D-30 وM198 / M114، ومدافع الهاون، إلى جانب منظومات دفاع ساحلي متقدمة وصواريخ ومضادات للدروع شملت مئات من صواريخ كورنيت (Kornet-E) الموجهة بالليزر، ومنظومات "تاو" BGM-71 TOW، ومنظومات "كونكورس" و"فاجوت".
إن ترك هذه الترسانة الضخمة سليمة أو شبه سليمة في مواقعها، وأمام قوة مهاجمة، يطرح علامات استفهام كبرى حول طبيعة الأوامر التي تلقتها تلك الألوية التي تزيد عن عشرين لواء عسكرياً.
هل هو "تخطيط لإعادة تسليح الحوثي" أم انهيار؟
تتأرجح التحليلات بين نظريتين: نظرية المؤامرة/ الصفقة المسبقة، ونظريات الانهيار العسكري البحت.
أصحاب الطرح الأول يذهبون إلى أن هذا الكم الهائل من السلاح والانسحاب السريع لا يمكن تفسيره عسكرياً؛ فالجيوش التي تملك هذا الحجم من النيران لا تتبخر في ساعات إلا بقرار سياسي أو قيادي يقضي بـ "تسليم الموقف". ويجادل هؤلاء بأن الحوثيين ربما حصلوا من خلال هذا السقوط على "جرعة منشطة" هائلة ترفع من كفاءتهم القتالية في أي مواجهات برية مقبلة، وربما تكون جزءاً من تفاهمات إقليمية خفية لإعادة هندسة القوى على الأرض.
في المقابل، يرى الخبراء العسكريون أن ما جرى يعكس "تداعيات الانهيار النفسي وفقدان القيادة والسيطرة". فالكثير من تلك التشكيلات لم تكن قائمة على عقيدة عسكرية وطنية مدمجة وموحدة، بل على ولايات وتحالفات ميدانية هشة. بمجرد اختراق الثغرة الأولى، أو صدور توجيهات متضاربة، أو انتشار شائعات عن انسحاب شامل، تدعى الجبهة كبيت من كرتون. الحوثيون، بطبيعتهم، بارعون في استثمار هذه اللحظات الهشة والضغط النفسي، لكنّهم لم يكونوا ليحققوا هذا الاختراق لولا وجود "فراغ قيادي" وتصدع داخلي في معسكر الخصم.
أين التحالف العربي؟.. غطاء غائب أم استراتيجية جديدة؟
يبقى السؤال الأكثر إيلاماً لدى أنصار الشرعية والمقاومة: أين طيران التحالف العربي؟ وأين التدخل المباشر لوقف هذا التداعي في منطقة بحرية واستراتيجية حساسة كباب المندب؟
يبدو أن الإجابة تكمن في التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة، والتباينات في الأجندات بين الرياض وأبوظبي، أو التوجه العام للتحالف نحو التهدئة الإقليمية، وتفضيل المسارات الدبلوماسية، وخفض التصعيد المباشر على الأرض. ففي الوقت الذي كانت تتداعى فيه جبهات الساحل الغربي، كانت عواصم القرار في التحالف منشغلة بمسارات أخرى للتفاوض مع الأطراف الإقليمية والدولية، ما جعل جبهة الساحل الغربي خارج دائرة "الأولوية القصوى" التي تستدعي تدخلاً جوياً ولوجستياً مكثفاً لإنقاذ الموقف في لحظاته الأولى.
إن غياب الغطاء الجوي الفاعل، أو قدومه في مواعيد متأخرة لا تغير من واقع الخريطة، أوصل رسالة واضحة للميدان بأن القوى المحلية باتت تُوافق أو تُترك لمصيرها وفق الحسابات السياسية الكبرى للتحالف.
خريطة ما بعد السقوط
إن سقوط المخا ومحيطها وتأمين الحوثيين لهذه الترسانة الضخمة يقلبان موازين القوى في اليمن رأساً على عقب. لم تعد المعركة مجرد صراع على مديريات، بل أصبحت ورقة باب المندب والملاحة الدولية رهينة في يد حركة "أنصار الله"، فيما تعيش القوى المناهضة لهم حالة من التصدع وتبادل الاتهامات، والبحث عن ترتيبات دفاعية متأخرة.
ما جرى في الساحل الغربي ليس مجرد معركة خاسرة، بل هو مرآة حقيقية لهشاشة البنية العسكرية والسياسية التي تشكّلت خارج إطار دولة مركزية قوية، وهو درس قاسٍ في أن الأسلحة الحديثة والترسانات الضخمة لا تصنع انتصاراً إن غابت العقيدة، والقيادة الموحدة، والرؤية الاستراتيجية الشاملة.