المتابع لمجريات المعارك اليوم يلاحظ، للأسف، أن بعض القوى لم تستوعب بعد دروس السنوات الماضية، وما زالت تتعامل بعقلية فرض الأمر الواقع واستعراض القوة، بدلا من التعامل معها باعتبارها معركة وطنية لها أهداف واضحة ومسؤولية تاريخية.
أول ما نحتاجه هو الحقيقة. لا نطالب بكشف المعلومات العسكرية التي قد يضر نشرها بسير العمليات، لكن من حق المواطن أن يعرف الصورة العامة: هل هناك تقدم حقيقي؟ أم تراجع؟ وما حقيقة ما يجري على الأرض؟ تضارب البيانات بين طرف يعلن السيطرة وآخر ينفيها يترك المواطن أمام روايات متناقضة، ويزيد فقدان الثقة.
والأهم أن القوات الجنوبية المشاركة في هذه المعركة مطالبة بأن تدرك أن المعركة الوطنية يجب ألا تتحول إلى ساحة لتصفية الصراعات الجنوبية أو فرض رموز ومشاريع سياسية على المناطق التي يجري تحريرها. رفع الأعلام والشعارات السياسية في مناطق الشمال، في ظل معركة يفترض أنها وطنية، قد يُفهم باعتباره استفزازا ورسالة تتجاوز الهدف العسكري.
السؤال الذي يجب أن يجيب عنه الجميع بوضوح: هل نحن نقاتل لتحرير الأرض واستعادة الدولة وإنهاء الانقلاب، أم نقاتل لتوسيع النفوذ وفرض مشاريع سياسية جديدة؟
كما أن استعراض القوة عبر الصور والفيديوهات والمنشورات لا يصنع نصرا. الحرب سجال، والميدان وحده يكشف حقيقة موازين القوة. ومن الخطأ أن يحاول كل طرف تقديم نفسه باعتباره القوة التي لا تُقهر، بينما الحقيقة أن الانتصار لا يصنعه الاستعراض، بل وحدة القرار والهدف والقدرة على إدارة المعركة.
لقد دفع اليمن ثمنا باهظا بسبب تعدد المشاريع وتداخل الأهداف وغياب القرار الوطني الموحد. لذلك، فإن أي معركة وطنية تحتاج إلى هدف واضح، وقيادة منسجمة، وغرفة عمليات موحدة، وخطاب مسؤول، واحترام للحدود التي تمنع تحويل معركة الدولة إلى صراع جديد بين مكونات المجتمع.
نحن لا نريد حربا تنتج لنا حروبا أخرى، ولا تحريرا يتحول إلى احتلال نفوذ، ولا انتصارا عسكريا يكون مقدمة لهزيمة سياسية.
نريد معركة تعيد الدولة، وتحفظ كرامة اليمنيين، وتفتح الطريق أمام الحل السياسي، لا معركة تزيد الانقسام وتعيد إنتاج الصراع بأسماء ورايات جديدة.
احمد ناصر حميدان